1 – حكايات الاحتلال وتصحيح بعض المفاهيم

11 أبريل 2009

نعم ما حدث قد حدث، ولن نعيد عجلة التاريخ؛ لكن ألا يجب أن يكون هناك حد أدني من الاتفاق بشأن ما جري مع غزو العرب لمصر وما تلاه علي مر العصور؟ أليس من الضروري أن يهتم “العنصر الغالب” في “السبيكة المصرية” بإدراك حجم المعاناة التي مر بها العنصر الآخر؟ أليس من المهم تطهير الذاكرة الوطنية، أو علي الأقل إدراك ما هو التاريخ المشترك لعناصر السبيكة (بدون أن يعني ذلك ـ بالطبع ـ جلد المعاصرين أو أخذهم بجريرة أفعال الأقدمين)؟
***
لن ندخل في تفاصيل عملية دخول العرب ذاتها ولا في مبرراتها المباشرة. هناك من الكتابات الأمينة ما تناولت الموضوع بشكل موضوعي، وعلي رأسها كتاب سناء المصري “هوامش الفتح العربي لمصر ـ حكايات الدخول” (دار سناء ـ ١٩٩٦). وقد تعرضنا لهذا الموضوع من قبل (فصول “التفسير الجحاوي للتاريخ” و “الثور الناطح” الخ من كتاب “الحرية في الأسر”) ولا داعي للتكرار.
 هناك من قد يوافق، ربما من باب الجدل، أن دخول العرب لم يكن “فتحا” بل “غزوا”؛ ولكنه سيسارع إلي القول أن العمليات الحربية أثناء الحروب لها ضروراتها وطبيعتها المرتبطة بعصرها، وأن العرب ـ على أي حال ـ لم يكونوا بعد ذلك أسوأ من غيرهم من الغزاة، بل ربما أفضل، والدليل أن القبط قد ساعدوهم على دخول مصر. كما أن مصر كانت محتلة قبلهم، فلماذا التشنج بشأن العرب وحدهم؟
في محاولة لمعالجة الموضوع بهدوء، سنرجع بصفة رئيسة إلي عينات ومقتطفات مما كتبه “ساوري” (الذي عاش زمن المعز لدين الله الفاطمي، وتوفي أواخر القرن العاشر) مستندا إلي مخطوطات وروزنامات الأديرة. والهدف هو توضيح الصورة من وجهة نظر”المهزومين”، علما بأن ساوري لم يكتب تاريخا عاما مفصلا، بل حصر نفسه في الأحداث التي ارتبطت بالبطاركة. ولكن الباحث عبد العزيز جمال الدين رأي في المخطوطات (غير المعروفة على نطاق واسع) أهمية هائلة فأطلق علي كتابه الذي يحويها زائد تعليقاته وشروحه “تاريخ مصر من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة”(٦١٠٠ صفحة في ستة مجلدات).
بعض الأسئلة التي يلزم الالتفات للإجابة عليها عبر قراءة المقتطفات هي:
١ـ ما مقدار “الحقوق الدينية” التي “تمتع” بها الأقباط، وهل توافقت مع شروط العهد الذي وقعه العرب عند الغزو الذي يقول: [(..) هذا ما أعطي عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان علي أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم وبَرّهم (أي أراضيهم الزراعية) وبحرهم (أي النيل)، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينقص (..) وعلي أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا انتهت زيادة نهرهم (..)].
٢ـ كيف تعامل الولاة والخلفاء مع القبط فما يتعلق بالجزية والخراج وباقي أنواع الجباية؟ علما بأن الجزية كانت مبدئيا دينارين (ذهب) علي كل ذكر بلغ الحلم؛ أي باستثناء الأنثى والصغير والشيخ الفاني. وإذا افترضنا تعادل قيمة الدينار مع الجنيه الذهب الحالي (وهو فرض معقول)، فإن الجزية بفلوس هذا الزمان تصبح ألفي جنيه على كل رأس وهو ما يعادل حوالي ٢٤٪ من متوسط الدخل القومي السنوي للفرد في مصر.
٣ـ كيف أثرت سياسات وممارسات الولاة والخلفاء على الحياة المعيشية للقبط، وكيف تقبلوها؟ وإن كان نور الإيمان قد أشرق علي الكثيرين منهم بمحض اختيارهم، فما تأثير تلك السياسات علي معدلات التحول للإسلام؟
٤ـ كان تعداد القبط الخاضعين للجزية عند الفتح  ستة (وفي قول آخر ثمانية) ملايين، مما يعني أن تعداد السكان كان أكثر من ١٥ مليونا: كيف ولماذا أصبح أقل من ثلاثة ملايين بعد ١١٥٠ سنة عند مجيء الحملة الفرنسية؟ وكيف أصبحت أرض مصر الزراعية مليوني فدان في عهد ابن المدبر (٦٨٠م) بعد أن كانت ستة ملايين فدان في العصر البيزنطي؟

***
١ـ يتعرض ساوري للغزو الفارسي الفظ (حوالي ٦١٧ـ٦٢٧) وكيف انتهى على يد هرقل، الذي عين “قيرس” (المقوقس) حاكما وبطريركا على مصر، مهمته إعادة القبط بالذوق أو بالعافية إلى مذهب بيزنطة، اعتقادا منه أن الخلافات المذهبية تهدد وحدة وأمن الامبراطورية. وعندها هرب الأنبا بنيامين (البطريرك ٣٨) إلى الصعيد. ثم يتعرض ساوري للغزو العربي ومعارك وسقوط بابلون، وبعدها بسنوات ثلاث مدينة اسكندرية التي [هدموا سورها وأحرقوا بيعا (كنائس) كثيرة بالنار وبيعة مار مرقس وما حوله من ديارات (أديرة)].
ويتضح من كلامه أن القبط وقفوا على الحياد أثناء الغزو وتركوا الروم والعرب يتحاربون. ويبدو أنهم كانوا سعداء بالتخلص من البيزنطيين، ولكنهم في نفس الوقت كانوا متوجسين من “العرب”، فمصر كانت دائما عرضة لغارات الأعراب الساكنين على حواف الصحارى بهدف السلب والنهب؛ لكن هؤلاء كانوا يرحلون بعد غزواتهم….
وجدير بالذكر والتذكر أن جيش عمرو كان يضم، إضافة إلى البضعة آلاف “عربي”، أضعافهم من البدو الأعراب من سكان سيناء والصحراء الشرقية ومن الغساسنة والنبطيين، الذين شاركوا في الغزو تحت وعود ما سيحصلون عليه من نهائب وسلائب وسبايا.
بعد استقرار الأوضاع يقول ساوري: [[عرف عمرو باختفاء الأنبا بنيامين  فكتب (بناء علي طلب أراخنة القبط) عهد أمان وسلامة له فعاد للإسكندرية بعد ١٣ سنة. فلما رآه عمرو أحضره بإكرام وإعزاز]]. 
لكن الحال، كما نعرف جيدا لم يدم طويلا، فها هو يوحنا النقيوسي (المؤرخ الذي عاصر الغزو)، يصف الأيام الأخيرة لبنيامين بقوله بصراحة [[أن عمروا لم تكن في قلبه رحمة بالمصريين ولم يرع العهد الذي عقده معهم إذ كان رجلا من الهمج]].
وطبقا لابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ٨٧) فإن عمرو قال للقبط: “إن من كتمني كنزا عنده (ثروته) فقدرت عليه قتلته”. وسمع عمرو أن أحد أهالي الصعيد اسمه بطرس كان عنده كنز، فلما سأله أنكر ولما تبين لعمرو صحة ما سمع أمر بقتله. فبدأ القبط بإخراج (إظهار) ثرواتهم خوفا من القتل.
ومن نفس المرجع (ص ١٥٣) أنه عندما سئل عمرو من أحد القبط “أن يخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصير لها”، أجاب: “لو أعطيتني من الأرض إلي السقف ما أخبرتك ما عليك. إنما أنتم خزانة لنا إن كُثّر علينا كثّرنا عليكم وإن خُفف علينا خففنا عليكم”.
٢ـ يقول ساوري عن أيام الأنبا يوحنا البطريرك ٤٠ (٦٧٧ إلى ٦٨٦):
[[وفي هذه الأيام بعد موت يزيد بن معاوية قام من كورة المسلمين ملك اسمه مروان (نوفمبر ٦٨٣ـ٦٨٥) ثار مثل الأسد إذا خرج من الغابة جائعا يأكل ويدوس الباقي برجليه، وولي ابنه عبد العزيز علي مصر (..) وفي أول سنة مضي إلي الإسكندرية ولم يكن وصوله ظاهرا فلم يخرج البطريرك ليتلقاه لأنه لم يعلم بوصوله فوشي به البعض للوالي فأنفذ بغضب وأحضره إلي الإيوان، ولم يفلح معه تبرير البطريرك وسلمه لمترسمين إلي أن يقوم بدفع مائة ألف دينار فتسلمه صاحب برج اسمه سعد رجل ليس فيه رحمة قاسي القلب أول يوم من جمعة الفصح الكبيرة ومضي ليعذبه مطالبا بالمبلغ، فأجابه “تطلب مني مائة ألف دينار وما معي منها مائة ألف درهم (..)، فما شئت أن تفعل فافعل، جسدي بيدك، ونفسي وجسدي معا بيد سيدي يسوع المسيح”. فلما سمع الكافر (*) ذلك غضب جدا وصر أسنانه وأمر أن يحضر له قصرية نحاس مملوءة جمر نار وتجعل رجلاه فيها (..) ثم أحضره وهدده إن لم يحمل ما يقرر عليه سىيلبسه ثيابا يهودية ويلطخ وجه برماد ويطوف به حول المدينة، فكان يقول له: “إن لم يخلصني الرب إلهي من يديك وإلا فما لك قدرة أن تفعل فيّ شيئا إلا بأمره”، فقال له سعد: أنا أترك لك خمسين ألف دينار وأطلقك تتسبب (تتسول) في الباقي، أجاب البطريرك: الذي أقدر عليه ثيابي التي علي جسدي. ولم يزل ينازله إلي أن بلغ عشرة آلاف دينار ووصل الأمر للكتاب (القبط) المتصرفين بالإسكندرية فقالوا له إقبل ونحن نقسطها علي الأساقفة والكتاب والدوواين (..) ثم مضوا إلي الوالي فأحضر البطريرك وكان يوم الخميس الكبير (فهدده ثم) أطلقه علي أن يحضر له كل ما يجمعه من النصاري (..) وبعد أن جمع من المال ما كان قد قرره، ساعده في إعادة بنيان بيعة (كنيسة) ماري مرقس (التي احترقت علي يدي عمرو]].
(*) استخدم ساوري تعبير “كافر” عديدا من المرات علي مختلفي الديانات، إشارة إلي الشخص “القاسي المتجبر الظالم” (وهو نفس المفهوم الدارج الذي يسخدمه المصريون اليوم).
 ٣ـ وفي أيام الأنبا اسحق (من ٦٨٦ إلي ٦٨٩) حدث أن كتب البطريرك إلي ملك الحبش وملك النوبة ليصطلحا (كانت الديانة السائدة فيهما المسيحية علي المذهب المصري وتملك الكنيسة القبطية سلطانا روحيا عليهما وتقيم لهم الأساقفة، ولكن مملكة النوبة كانت أحيانا تقوم بالغارات علي الحبشة لجلب الرقيق الواجب عليها تقديمهم لوالي مصر طبقا للعهد الذي وقعوه أيام عثمان). [[ولكن هذا أغضب الوالي عبد العزيز  جدا، وأنفذ من يحضر البطريرك ليقتله (..) ولكن عندما أحضر إليه الرسل لم يجد شيئا مما ذُكر له (إذ تخلصوا من تلك الرسائل) فأعاد البطريرك للإسكندرية، لكن لم يدعه بعد ذلك يصعد لمقابلته وأمر بكسر جميع الصلبان التي في كورة مصر حتي صلبان الذهب والفضة فاضطرب نصاري أرض مصر. ثم كتب عدة رقاع وجعلها علي أبواب البيع (الكنائس) بمصر والريف يقول فيها “محمد الرسول الكبير الذي لله، وعيسي أيضا رسول الله، وأن الله لم يلد ولم يولد”]].
٤ـ وفي أيام الأنبا سيمون (من ٦٨٩ إلي ٧٠١) [[أمر الوالي بأن تمنع قداسات النصاري، وقال إنهم ضالون يجعلون لله زوجة وولدا. (لا نعرف كم من الوقت ظل هذا المنع قائما). وبعدها وصل قس من الهند يطلب من البطريرك أن يرسم لهم أسقفا للهند ولما كان أهل الهند غير مطيعين للمسلمين، قال: لا أقدر بغير أمر الأمير المتولي علي كورة مصر، فخرج من عنده ليمضي للأمير فاجتمع به قوم من الغايانيين (جماعة خارجة عن الكنيسة الأرثوذكسية) وأوسموه أسقفا وكاهنين. وبعد مسيرة عشرين يوما في طريق العودة قبض عليهم حفظة الطريق الذين من قبل المسلمين وأنفذوهم إلي الخليفة عبد الملك فقطع أيديهم وأرجلهم وأنفذهم إلي مصر وكتب للوالي عبد العزيز يستعجزه ويقول له “كأنك ما تعرف ما يجري في بلادك، إن بطرك النصاري المقيم في الإسكندرية  قد أنفذ أحبار مصر إلي الهند ويجب أن تضربه مائتي سوط وتأخذ منه مائة ألف دينار وتحملها إلينا بسرعة”. فأحضر الوالي سيمون البطريرك (..)، وبعد فترة  اكتشف الحقيقة وصلب من قام برسم الأسقف و(ترك البطريرك). وكان سيمون مجتهدا طول عمره أن لا تكون عثرة بين النصاري والمسلمين]].
٥ـ وفي أيام ألكسندروس الثاني (٧٠٥ إلي ٧٣٠): [[وكان للوالي عبد العزيز ولد أكبر يسمي الأصبغ وكان يُظن أنه يجلس عوضا عن أبيه إذا توفي فولاه علي جميع الكورة واليا ومستخرجا (يجمع الخراج) وكان جميع القسوس يسمعون له بخوف لأجل كونه ابن الأمير، ولكنه كان مبغضا للنصاري سفاك الدم، رجل سوء كالسبع الضاري. ووشي البعض عنده (الأصبغ) بالرهبان فأنفذ وأحصي جميع الرهبان في كل الكور وجعل عليهم جزية دينارا واحدا علي كل فرد، وهذه أول جزية عليهم، وأمرهم ألا يُرهبنوا أحدا بعد من أحصاه، ثم ألزم أساقفة الكور بألفي دينار كل سنة، وكان يفعل أفعالا عظيمة ويلزم الناس أن يصلوا صلاته (..) واضطر جماعة إلي أن أسلموا ومن جملتهم بطرس والي الصعيد وأخوه وولد مقدم مريوط وجماعة كهنة وعلمانيين لا يحصون من كثرتهم. ولما كان يوم سبت النور دخل (الأصبغ) إلي دير حلوان فلما نـظر صورة العذراء والمسيح بصق فيها وقال إن وجدت زمانا فأنا أمحق النصاري من هذه الكورة. و(يقال أنه) مات في اليوم التالي ولحقه أبوه بعد أربعين يوما]].
[[ثم أنفذ الأمير الكبير (الخليفة عبد الملك) ولده عبد الله ليتولي كورة مصر فكان يفعل أيضا أفعال السوء وصنع آلات يعذب بها الناس وكان كالوحش الضاري حتي أنه في أكثر أوقاته إذا جلس علي المائدة يقتلون الناس قدامه وربما طار دمهم في صحنه الذي يأكل منه فيفرح بذلك. وفي تلك الأيام خرج البطريرك ألكسندروس وسار (من الإسكندرية) إلي مصر (القديمة، حيث بني الفسطاط جوارها) ليسلم علي الوالي كالعادة فلما نظر إليه قال: إيش هو هذا؟ قالوا له هذا أب وبطريرك جميع النصاري، فأخذه وسلمه لواحد من حجابه وقال له: إفعل ما تراه من الهوان إلي أن يقوم بثلاثة آلاف دينار. فأخذه ثلاثة أيام والنصاري يطلبون من أجله، ووقع خوف عظيم علي الأساقفة والرهبان، وذهب جرجه الشماس للوالي وقال له: يا سيدنا هل تطلب نفس البطرك أو المال؟ فقال له أريد المال، فقال له جرجه ضمني إياه مدة شهرين أنحدر به أطلب المال. فسلمه إليه فطاف به المدن والقري علي المؤمنين بالمسيح حتي حصل المال. وكان (الوالي) يجمع الأساقفة والمقدسين والرهبان فيهزأ بهم بتجبر بكلام صعب ويقول لهم: “أنتم عندي مثل الروم ومن قتل منكم واحدا غفر الله له لأنكم أعداء الله”]].
[[ولما استوفي الخراج من الناس زاد عليهم ثلثي دينار فوق كل دينار، حتي أن بيعا (كنائس) كثيرة خربت بهذا السبب. وكان محبا للمال جدا. وأنزلت علي الناس بلايا عظيمة وقُتل لأجل ذلك كثيرون وأوسم الغرباء الذين وجدوا علي أيديهم وجباههم ونفوا. وكان علي الأرض قلق واضطراب، وأمر ألا يدفن ميت حتي يقومون عنه بالجزية}.
{وبعد سنتين مات (الخليفة) عبد الملك وتولي بعده ابنه الوليد (٧٠٥ـ٧١٥)، فولي علي مصر قره ابن شريك (في ٧٠٨) وأنزل قره بلايا عظيمة علي النصاري والمسلمين]].
[[ولما جاء البطريرك كالعادة إلي مصر ليهنيه بالولاية ويسلم عليه، قبض عليه وقال له: الذي قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج أن تقوم لي بمثله. فقال له أن ذلك كان بسعاية ناس السوء وأن ليس معه نقود. فقال له: هذا كلام ما ينفع ولو إنك تبيع لحمك لا بد من ثلاثة آلاف دينار وإلا فما تخلص من يدي. ثم تركه قره يسير إلي الصعيد يطوف المدن والقري ولقي مشقة وغربة. (وبعد اتهام بإخفاء مال) أحضر البطريرك وهم بقتله، وكبله بالحديد وطرحه في السجن وبعد سبعة أيام ألزمه أن يقوم بالثلاثة آلاف دينار. ولحقه تعب عظيم وضيق إلي أن جمع ألف دينار بعد سنتين. وكان قره يأخذ أموال كل أرخن يموت. وكان الناس يهربون ونساؤهم وأولادهم من مكان إلي مكان من أجل البلايا وعظم ظلمه. وانتشرت الأوبئة القاتلة ومات قره وأهل بيته في أحدها.
وقام ولاة (الأقاليم) بخلع الأعمدة الملونه والرخام في البيع (الكنائس) وحملوها]].

 


2 – الأمويون

11 أبريل 2009

٥ـ مازلنا مع ساوري الذي يتناول أيام البطريرك ألكسنروس الثاني (٧٠٥ـ٧٣٠) المليئة بالأحداث، بعد أن مات قرة بن شريك:
[[وتولي علي مصر أسامة وكان مقيما علي فعل السوء وأحصي الرهبان ووشم كل واحد بحلقة حديد في يده اليسري ليُعرف هو وبيعته وكان إذا ظهر راهب غير موسوم يقطع رجله ولم يكن يحصي عدد من شٌوِّه، وحلق لحي رهبان كثيرين وقتل جماعة وقلع أعين جماعة بغير رحمة وكان يقتل جماعة بالسياط، وكان أسامة يقول للولاة سلّمت لكم أنفس الناس لتأخذوا منهم ما تقدرون عليه من أساقفة ورهبان وبيع وكلما تجدونه (*). ومن الضيق والضنك همّ الناس ببيع أولادهم ولم يرِقّ قلب الأمير بل يزيد فيما هو فيه. وكل إنسان يوجد ماشيا أو طالعا أو نازلا من مركب وليس معه سجله (**)، يؤخذ وتنهب المركب وما فيها وتضرم بالنار. وإذا أكل فأر سجل إنسان أو أصابه ماء أو نار وبقي معه منه قطعة لا يغير له حتي يدفع خمسة دنانير. وكان لأرملة صبي نزل النيل ليشرب فخطفه تمساح والسجل مربوط معه وأمه تبكي وتحترق عليه، ثم رجعت وأعلمت الأمير فلم يترأف عليها وباعت كل ما لها وطافت المدن تتصدق حتي أوفت الدنانير العشرة]].
(*) كتب الخليفة سليمان بن عبد الملك إلي أسامة متولي خراج مصر: “احلب الدر حتي ينقطع واحلب الدم حتي ينصرم”. (أبو المحاسن ج١ ص ٣٣١).
(**) لم يعد مسموحا أن يترك الفرد موطنه للسفر أو الاستيطان في منطقة أخرى بدون تصريح محدد (جواز سفر!) لضمان دفع جزيته. كان هذا رد السلطة العربية على حركة المقاومة السلبية للأقباط التي أخذت شكل هجر الأراضي الزراعية والهروب الجماعي على نطاق واسع من مكان إلي مكان فرارا من التعسف في الجزية والضرائب، بعد ما أصبح الإلتجاء إلى الأديرة لا يعفيهم من الالتزامات المادية. وكانت الأراضي تصادر لصالح القبائل العربية، ثم يجبر الفلاحون القبط على زراعتها دون مقابل. أما الأرض التي يزرعها العرب فقد كانت “عشرية” أي لا يدفع عنها خراج، بل الزكاة فقط.
[[ثم كشف علي الأديرة فوجد فيها جماعة من الرهبان بغير وشم، فمنهم من ضربت رقبته ومنهم من مات تحت السياط. ثم أنه سمر باب البيعة بالحديد وطلب منهم ألف دينار، وجمع مقدمي الرهبان وعذبهم والتمس منهم عن كل واحد دينارا وهدد بهدم البيع وتخريبها وبإرسالهم في مراكب الأسطول (*). فقلق شيوخ الرهبان ولم يكن لهم سوي الصلوات والتضرع. وسريعا توفي الملك الكبير (الخليفة) سليمان بن عبد الملك، وتولي مكانه عمر بن عبد العزيز الذي كان أمير مصر]].
(*) كانت مراكب الأسطول العربي تزود بالبحارة والجنود المصريين (القبط) الذين يجبرون علي العمل فيها حتي موتهم بعيدا عن أهلهم وديارهم. بل تم ترحيل آلاف، بعائلاتهم، من صناع السفن القبط لينشئوا ترسانة سفن في أفريقا قبيل غزو الأندلس. وقد أطلق هؤلاء اسم مدينتهم الأصلية على المكان الجديد: تنّيس = تونس.
[[وبدأ (عمر) يرفع الخراج عن البيع والأساقفة وأبطل الجبايات وكان النصاري في أمن وهدوء. ثم من بعد ذلك بدأ يفعل السوء وكتب إلي والي مصر يأمر أن “كل من أراد أن يبقي في (عمله) وبلاده فليكن علي دين محمد”. فسلّم النصاري خدمتهم للمسلمين وصاروا عبرة لكثير، وتسلطت يد الولاة والمتصرفين والمسلمين علي النصاري في كل مكان، كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم. وأمر أن تؤخذ الجزية من سائر الناس (الذين كانوا معفيين منها) الذين لا يٌسلِمون. ولم يمهله الله لكن أهلكه سريعا]].
[[ثم تولي بعده يزيد، ولا يحسن أن نشرح ما جري في أيامه ولا نذكره من السوء والبلايا، لأنه سلك في طريق الشيطان وحاد عن طريق الله. وما إن أخذ المملكة حتي أعاد الخراج الدي كان عمر بن عبد العزيز قد رفعه عن البيع سنة واحدة وحمّل علي الناس حملا عظيما حتي ضاق كل من في البلاد، وأمر بكسر الصلبان في كل مكان وكشط الصور التي في البيع. ولكنه مات بعد أن ملك لسنتين وأربع أشهر]].
[[وتولي بعده (أخوه) هشام وكان رجلا خائفا من الله علي طريق الإسلام وكان محبا لسائر الناس (..) وأمر أن تعطى لمن يدفع الخراج براءة (وثيقة أو صك) حتى لا يُظلم أحد. (وولي) عبيدَ الله خراجَ مصر، ولما وصل أمر بأن تحصي الناس والبهائم وأن تقاس الأراضي وأن يجعل طوق رصاص في حلق الناس من ابن عشرين سنة (..) وضاعف الخراج وأقام ظلما كثيرا وجعل يسم علامة علي أيدي النصاري. وقبض والي الإسكندرية علي البطريرك ألكسندروس ليسمه فامتنع والتمس المضي إلي الملك (أي الوالي؛ ليشتكي من أمر الوسم) فأنفذه إلي مصر مع جند إلي عبيد الله، فلما عرفه هذا سبب حضوره لم يتركه بدون وسم. فطلب أن يمهله ثلاثة أيام وصلي سائلا الرب أن ينقله من هذا العالم سريعا، فمرض سريعا ثم توفي. لكن عُبيد الله قبض علي كاتب البطريرك الذي كان نقله (من السجن) ليموت في كرسيه، وطلب منه ألف دينار فلم يقدر، فسلمه إلي بربر متشبهين بالسباع فجرجروه حتي باب بيعة ماري جرجس ونزعوا ثوبه وألبسوه مسح شعر وعلقوه بذراعيه وضربوه بالسياط وأقاموا أسبوعا يعذبونه حتي جمع الناس ثلثمائة دينار فأفرج عبيد الله عنه بعد أن قارب الموت]].
٦ـ في أيام الأنبا ثاودوروس (٧٣١ـ٧٤٣) يقول ساوري: [[كان عُبيد الله ينزل عذابا وبلايا وخسارات علي أهل مصر. ولما تمادي ثار عليه قوم من مقدمي المسلمين مضوا إلي (الخليفة) هشام يشكونه فعزله]].
[[تولي بعد عُبيد الله ولده القاسم الذي صار الشر فيه أكثر من أبيه دفعات. ثم عُزل عن الولاية، (كما) توفي ثاودروس. وفي طريقه (القاسم) إلي دمشق لحق به في بلبيس أساقفة وجماعة من النصاري سائلين أن يسمح بإقامة بطريرك جديد فالتمس منهم مالا، فلم يدفعوا. ثم تولي حفص بن الوليد الحضرمي، ورُسم خائيل]].
٧ـ وفي أيام البطريرك خائيل ٤٦ (٧٤٤ـ٧٦٨): [[أمر حفص أن يصلي كل من بمصر وأعمالها بصلاة السُنّة وكل من يتخلي عن دينه ويكون مسلما لا تؤخذ منه بعد جزية (..) ولأجل هذه الخصلة ضل خلائق من المصريين النصاري فتخلوا عن دينهم، ومنهم من اكتتب وصار من العسكرية. وكان البطريرك ينظر وهو حزين باك (..) وحضر أراخنة وقالوا له “صلِّ واجتهد فقد أحصينا من انتقل إلي دين الإسلام في مصر وأعمالها علي يد هذا الوالي أربعة وعشرين ألف إنسان”]].
[[ومات حفص محترقا بالفسطاط وتولي بعده حوثرة من قِِِبَل مروان بن محمد الذي اختطف الخلافة من ابراهيم بن الوليد. وكان محبا للأرثوذكسيين وقامت السلامة والهدوء بمصر خمس سنين ثم عُزل وتولي عبد الملك ابن مروان (..) وكان يبغض النصاري جدا وبه تكبر عظيم وأنزل تعبا عظيما علي أهل مصر. وحدث خلاف مع الروم حول (ملكية بعض الـ) كنائس وكان الوالي مرتشيا من الروم. ثم عُزل وصار عوضا عنه رجل من أولاد قضاة المسلمين يسمي أبا الحسن وكان شيخا وديعا لا يحابي أحدا ولا يأخذ برطيلا (رشوة) وكان حكيما في كلامه يقطع بالحق في قوله (فأنصف القبط)]].   
[[وأحضر عبد الملك الأنبا خائيل إلي مصر لأجل خراج بيعه (*)، وطلب منه ما لا يقدر عليه فاعتقله ووضع في رجليه خشبة وطوق حديد في رقبته، وكان معه أنبا موسي أسقف أوسيم وتادرس أسقف مصر. وجعلهم في خزانة (زنزانة) لا تنظر الشمس وليس فيها طاق وكان تحت ضيق من التكبيل بالحديد شهرا. وكان معهم في الاعتقال ثلاثمائة رجل ونساء أيضا في ضيق أكثر من الرجال. وكان المرضي يجيئون للبطريرك ليبارك عليهم، من النصاري والمسلمين حتي البربر (..) ثم أحضره الملك وطالبه بالمال وضيق عليه، فطلب أن يأذن له بالذهاب للصعيد “ومهما دفعه لي النصاري وساعدوني أحضرته لك”. فأطلقه. وكانت كورة مصر قد هلك أهلها من الظلم والخسائر والخراج]].
(*) ضرائب مباني الكنائس والأرض الزراعية الموقوفة عليها، إن وجدت.
[[ولما علم مرقوريوس ملك النوبة (*) بما حدث للأب البطرك أرسل إلي عبد المك رسولا ليطلقه، فأخذ (رسوله) واعتقله. فسار في عسكر عظيم مائة ألف فارس ولما قربوا إلي مصر نزلوا ببركة الحبش ونهبوا وقتلوا المسلمين وكانوا قد فعلوا ذلك بمسلمي الصعيد. فلما علم (عبد الملك) بوصول ملك النوبة ولم تكن له قدرة علي محاربته أطلق رسوله. وكتب البطريرك (الذي كان الوالي قد أطلقه ليتسول المال) يطلب من (الملك) أن يعود لبلاده بغير حرب. فعاد بعسكره بعد أن نهب من المسلمين شيئا كثيرا. و(قبلها) كان المسلمون (من مصر) يسرقون أهالي النوبة ويبيعوهم (في سوق العبيد)]].
(*) مملكة النوبة كانت تشمل النوبة والسودان الحاليين حتى الخرطوم.
[[ولم تجد ديار مصر طمأنينة ولا راحة في أيام مملكة عبد الملك، وصنع مع الديارات (الأديرة) ما لا يجوز لبغضته في النصاري. ثم كانت له ابنة عمرها أربع سنين بها روح نجس فسأل الأب البطرك أن يصلي عليها ففعل وخرج منها الشيطان فصار يحب النصاري (؟)]]
[[وكان في ذلك الزمان أن جند (الخليفة) مروان كانوا يتحاربون ويسفكون دماء بعضهم البعض ولا يهدأون من الحرب. وقام عليه عبد الله أبو مسلم الخرساني. وأخرج مروان من دمشق مالا كثيرا وجواهر وذخائر وأحرق الباقي بالنار (لكي لا يحصل عليها العباسيون). وفي طريقه (للهرب) لمصر، راح لشيخ راهب يسأله عما سيجري له فقال له “إذا قلت لك الحق تقتلني ولكن أنا قول لك ما أظهره الله لي. بالكيل الذي كلت به يكال لك وكما جعلت الأمهات بغير أولاد كذلك تصير أمك بغير أولاد ويأخذ ملكك الذي يتبعك الآن”. فلما سمع ذلك أنزل الشيخ وحرقه بالنار وهو حي. ووصل لمصر (سنة ٧٥١) وكان قبلها أن عصي علي عبد الملك قوم من البشمور (*) ومقدمهم مينا بن بكيره وقوم أخر من شبرا سنبوط ومسكوا تلك الكورة ولم يعطوا خراجا فخرج عليهم عبد الملك بعسكر فهزموه. ولما وصل مروان أنفذ عسكرا كثيرا من مسلمي مصر وممن وصل بصحبته من الشام فلم يقدروا الوصول إليهم لأنهم تحصنوا في مواضع الوحلات (مستنقعات وبحيرات شمال الدلتا)]]. 
(*) بعد المقاومة السلبية وعمليات الهروب الجماعي، بدأ القبط في القيام بثورات متعددة شملت الوجهين القبلي والبحري، وكان أعنفها تلك التي قام بها عدة مرات أهل البشمور، وهي المنطقة الرملية الساحلية شمال الدلتا. كانت أول الثورات في ٨٧هـ (٧٠٦م) في الدلتا وأيضا الصعيد، وأخمدتا بالقوة. وقامت ثورة ثالثة في عهد هشام بن عبد الملك في ١٢٠هـ (٧٣٨م) ثم رابعة في ١٢٢هـ (٧٤٠م) علي يد يُحنّس (يؤنس، حنا) القبطي في سمنود. وتجددت بعدها للمرة الخامسة (كما سنري في الفقرات التالية) في رشيد في عهد مروان آخر الخلفاء الأمويين (راجع المقريزي “إغاثة الأمة بكشف الغمة”). أما الثورة السادسة فكانت أيام العباسيين (راجع المقال القادم). ويقول جمال الدين: “وقد كشفت تلك الأحداث عن أن العلاقة بين معظم الحكام والبلدان التي تم احتلالها لم تكن إلا لحلبها حتي تدر الدم، والبطش بكل من يحاول الاعتراض”.
[[وجاء مروان لمصر ووجد من وصل معه ثمانية آلاف فأمر الرعية قائلا: “كل من لا يدخل ديني ويصلي صلاتي ويتبع رأيي من أهل مصر قتلته وصلبته، ومن دخل معي في ديني خلعت عليه وأركبته وثبّتُّ اسمه في ديواني وأغنيته”. فتبعه ألف إنسان سريعا وصلوا صلاته (أي أسلموا) فدفع لكل واحد عشرة دنانير (..) ودخلت جيوش مروان اسكندرية (بقيادة) حوثرة وقتل كثيرين ونهب أراخنتها وأسَر أولادهم ونساءهم وأخذ كل ما لهم. وأخذ الأنبا خائيل وقال له كيف مكنت أولادك النصاري (البشامرة) أن يقاتلونا؟ (..) وأودعه السجن. وسجن أيضا بطريرك الملكيين ولكن شعبه جمعوا ألف دينار بعد خمسة أيام فأخلي سبيله، وطلب (حوثرة) من الأنبا خائيل أيضا مالا فقال له ما في بيعتي شيء فافعل بي ما شئت. فجذبه وطرحه على ركبتيه وضربه بقضيب مائتي ضربة علي رأسه وكانوا يجذبونه وهو مثل الخروف الصامت، ثم أمر (حوثرة) أن تؤخذ رأسه ومد السياف يده ولكنه غير رأيه وقال نحمله إلي رشيد وندعه يكتب لهم (البشامرة، ليكفوا عن العصيان)]].
[[وخرج البشامرة وقتلوا جنود مروان. (ووصل الخبر لمروان، كما وصله أن أعداءه العباسيين قد اقتربوا) فكتب لجنده الذين انهزموا يقول “تعالوا إليّ بسرعة فقد احتجت لكم وكل بلد تصلون إليه انهبوه واقتلوا أهله”، فسار أولئك الكفرة إلي الصعيد وقتلوا جماعة من الأراخنة ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم وأهاليهم وأولادهم وأحرقوا ديارات (أديرة) الرهبان وأخذوا الراهبات. (تفصيل قصة الراهبة التي خدعت الجند ليقتلوها بالسيف مفضلة الموت…)]].
[[ووصل الأب البطرك في صحبة الجند (إلى الفسطاط؟) وأمر مروان بإحضاره إلي خيمته. وكان حوثرة الكافر عند مروان يقول له: هذا البطرك كان يقول للنصارى تقووا فإن الله ينزع المملكة من مروان ويسلمها لأعدائه. فلما سمع مروان قال له (على لسان ترجمانه): أنت بطرك اسكندرية؟ فقال: أنا عبدك نعم. فقال مروان: (بل) أنت رئيس أعداء مذهبنا (ديننا). فأجاب: ما أنا رئيس أشرار. وشعبي لا يعمل سوء، لكن التعب أهلكهم حتى باعوا أولادهم. ثم أمر مروان الأعوان أن ينتفوا شعر لحيته، وكانت كبيرة نازلة على صدره. وكان الخرسانيون في البر الشرقي وليس لهم وسيلة لعبور النيل (سبق مروان وأحرق كل المراكب). وقيل لمروان أنهم وجدوا سبيلا للعبور (..) وأمر أن يحفظ البطرك ومن معه للغد. ثم (رجع). ومع شروق الشمس أتوا بالبطرك أمامه وأوقفه بين يديه وتركه نحو عشر ساعات وكان حوله سيوف مسلولة وآلات حرب وكان من معه عشرة (أساقفة وكتبة) مع جنود يعذبونهم ويتشاورون عليهم (..) وسأل عبد الله بن مروان أباه أن يطلقهم: “لأن الأعداء يقتربون وإذا اشتد الأمر نمضي لبلاد السودان وهم (أتباع) هذا الشيخ (البطرك)، فإن قتلته قاموا علينا”. فقيدهم بالحديد ووضعهم في الحبس في سجن الجيزة]].
[[ثم أمر مروان من معه أن يقتلوا ويأسروا وينهبوا الناس، وأنفذ إلى الصعيد وقتل جماعة (= كثيرا من) النصارى. وبعد ما أفسدوا واستباحوا من النساء وأفسدوا من العذارى كثيرين، جاء قوم للخرسانيين ودلوهم على طريق ليعبروا النيل. فتابعوا أصحاب مروان وقاتلوهم. وحمل مروان نساءه وأمواله وهرب خفية]].
[[وأطلق البطرك ومن معه (..) والحديد (= القيود) في أرجلهم. والله يشهد أن قوما من المسلمين نزلوا من خيلهم وفكوا الحديد ومضوا بهم إلى كنيسة مار بطرس في الجيزة]].
[[وطارد الخرسانيون مروان وأصحابه وصلبوه منكسا بعد أن قتلوه]].
***
وعلي هذه الخلفية الدموية نأتي إلي نهاية حكم الأمويين ومجيء العباسيين، بمساعدة واضحة من المصريين، بل السماء أيضا [[وكان النيل يزيد كل يوم نحو ذراع فكان الناس يقولون أن يد الرب مع الخرسانيين]]
وأكرم العباسيون الأنبا خائيل كرامة عظيمة وسامحوا البشامرة من الخراج….
لكن هل بقيت الأمور على حالها؟


3 – العباسيون

11 أبريل 2009

هاهم العباسيون قد ملكوا بمساعدة المصريين، فماذا حدث؟يقول ساوري: [[وكان مروان قد أحرق الكتب وحساب الدواوين. وتولي علي مصر أبو عون (ابن عبد الملك بن يزيد). وبعد قليل وصل رجلان من أصحاب الدواوين من عند الملك؛ عطا بن شرحبيل وصفي، وكانا بعيدين عن معرفة الله (= قليلي الرحمة) وأعادا حسابات مصر إلي ما كانت عليه مع مروان. وأعطيا السلطان ليفعلا ما أرادا، من أجل بغضهما لنا نحن النصارى ومحبتهما للفضة. وكانت عوائد مصر بعد إقطاعات الأجناد ونفقات دار السلطان وما يحتاجه لتدبير المملكة وكل ما يفضل يحمل لبيت المال في كل سنة مائتي ألف دينار]].
[[وفي ثالث سنة من مملكة الخرسانيين، ضاعفوا الخراج وأكملوه على النصاري ولم يوفوا لهم بما وعدوهم. وكتب عبد الله الملك (الخليفة، الشهير بالسفاح) إلي جميع مملكته أن كل من يصير على دينه ويصلي كصلاته يكون بغير جزية. فمن عظم الخراج والكلف عليهم أنكر كثير من الأغنياء والفقراء دين المسيح (*). فمضى الأنبا خائيل إلي أبي العون الوالي وخاطبه بسبب البلايا التي فعلت بمصر بعد فعل الخير الذي أضمره (وعد به)، فقال له: الملك أمر بذلك لأن قوم سوء قالوا له إن وجد أهل مصر راحة سنة واحدة نافقوا عليك وحاربوك كما حارب البشامرة مروان. فسأله أن يفعل خيرا مع بيع (كنائس) الاسكندرية في خراجها، فطلب إلي كاتبيه أن يفعلا فلم يقبلا وكانا يـُميلان قلبه للسوء]].
(*) في نفس الوقت، ولتعويض النقص في الجباية الناشيء عن التحول، تم التشديد على ضرورة المحافظة على مستوى الإيرادات عن طريق زيادة الجزية والخراج على من لم يتحولوا؛ مما زاد الأعباء على هؤلاء وبالتالي ضاعف من الضغوط، ودخل القبط في حلقة جهنمية مفرغة.

 

 

8ـ وفي السنوات 767 حتى 799 لا يذكر ساوري من الأحداث ما يخرج عن “المعتاد” من المضايقات والوشايات. وبعدها سمح الوالي للأنبا مرقس 49 (799ـ819) بعمارة الكنائس التي كانت قد هدمت في فسطاط مصر (مصر القديمة).
[[بعد ذلك دخل إلي الإسكندرية قوم يسمون الأندلسيين ومعه كثير من جزائر (بلاد) الروم واستمروا علي هذا من مصر ينهبون ويجلبون السبي (النصاري) إلي اسكندرية ويبيعونهم عبيدا، فحزن الأنبا مرقس لبيعهم الأنفس مثل الغنم ويسلم (يدخل الإسلام) منهم كثيرون. ومما كان في قلبه من الرحمة كان يشتري منهم مثل رهبان وقساوسة وشمامسة وعذاري وأمهات أولاد، وكان إذا اشتري شخصا كتب له صك عتقه لساعته (…)]] ثم يصف ساوري قتال القراصنة الأندلسيين وغيرهم والفوضي التي عمت البلاد ويقول [[وقتلوا كل من لقوه من أهل البلد من المسلمين والنصاري واليهود]].
[[وفي ذلك الزمان نزلت علي برية وادي هبيب (شيهيت، وادي النطرون) بلايا عظيمة إذ نهبها العرب وأسروا الرهبان وهدموا البيع والقلالي فتشتت الشيوخ القديسون في كل موضع من الأرض]].

 

 

9ـ وفي أيام الأنبا أبا يعقوب البطريرك الخمسون (819ـ830) [[أنفذ الوالي عبد العزيز الجروي للبطرك إنسانا ليجعله أسقفا، فلم يقبل أن يخرج عن قانون البيعة. فكتب له (مهددا) أنه يهدم جميع البيع ويقتل الأساقفة في كل موضع ما لم يجتمع به البطرك (*). (ثم) سقط عليه (الوالي) حجر فمات وتولي بعده ابنه علي فأعاد الرخاء لاسكندرية بعد موجة غلاء فاحش. وعاد رهبان أبي مقار إلي ديرهم]].
(*) ليس فقط لم يكن مسموحا للقبط باختيار وترسيم بطريركهم إلا بموافقة الحكام؛ بل ها هم الحكام يحاولون فرض من يريدون ـ وهو ما يخالف تماما تعاليم وتقاليد الكنيسة…
[[ثم وصل (في 826) إلي كورة مصر أمير (والي) من عند ملك المسلمين، اسمه عبد الله بن طاهر، وكان رجلا خيرا رحوما في دينه محبا للعدل مبغضا للظلم (..) ثم بدأ ذلك الأمير يشدد علي الأب (البطريرك) في طلب الخراج، ولم يكن معه ما يدفع من عدم (أي بسبب فقر) البيعة لكثرة الحروب، وأخرج (أعطي كخراج) أواني البيعة للأمة المخالفة]].

 

 

10ـ أما الأنبا يوساب (830ـ849) فقد منع والي الاسكندرية عبد الله بن يزيد رسامته إلا بعد دفع ألف دينار له.
[[وكان متولي الخراج أحمد بن الأسبط وابراهيم بن تميم، ومع ما كان الناس عليه من البلايا، كانا يطلبان الخراج بغير رحمة وكان الناس في ضيق زائد لا يحصى (..) ونزل غلاء عظيم علي كورة مصر حتي أن القمح بلغ خمس ويبات بدينار، ومات بالجوع خلق كثير من النساء والأطفال والشيوخ والشبان ما لا يحصى عدده. وكان متولي الخراج يؤذي الناس في كل مكان، وأكثر النصارى البشموريين كانوا يعذبونهم بعذاب شديد إلي أن باعوا أولادهم (لسداد) الخراج، وكانوا يربطونم في الطواحين بدلا من الدواب ويضربونهم حتى يطحنوا. وتمادت عليهم الأيام وانتهوا إلي الموت (وبدءوا  في أعمال عصيان). وكان في ذلك الوقت (الخليفة) عبد الله المأمون، ابن هارون الرشيد. ولما انتهي إليه حال مصر، أنفذ عسكرا مقدمه (قائده) الأمير الأفشين فقتل (البشموريين) والخوارج من شرقي مصر (و) انتهى إلى المدينة العظمى اسكندرية فأراد أن يقتل كل من فيها من أهلها لأنهم مكنوا العدو من الدخول إلى مدينتهم (فمنعه الله من ذلك). وكان الأفشين يقتل حتى الأبرياء بجريرة المفسدين. وقتل جماعة من أراخنة النصارى في كل موضع. وكان البطريرك حزينا لمشاهدة ذلك، من الوباء والغلاء والسيف]].
[[وتم البشموريون مؤامرتهم وصنعوا لهم سلاحا وحاربوا السلطان و(رفضوا) دفع الخراج (..) وحزن الأب البطريرك على أولئك الضعفاء لأنهم لا يقدرون على مقاومة السلطان (..) فكتب إليهم كتبا مملوءة (تخويفا) ليندموا ويرجعوا عن مقاومة السلطان. ولم يفتر من مكاتبتهم كل يوم وكان يكتب إليهم فصولا من الكتب (من رسالة بولس الرسول). لكنهم أهانوا الأساقفة (الذين حملوا الرسائل). وكتب الأفشين إلي الخليفة (..) فجاء إلى مصر مصطحبا معه بطريرك أنطاكية (بسوريا؛ المتحد مذهبيا مع القبط)، فذهب الأنبا يوساب مع جميع الأساقفة إلي الفسطاط ليسلم عليه (..) وفرح المأمون لما عرف بمكاتباته ليردع البشموريين عن مقاومة أمر الخليفة. وقال: هوذا آمرك أنت ورفيقك (بطريرك أنطاكية) أن تمضيا إلي هؤلاء القوم وتردعاهم ليرجعوا ويطيعوا أمري (..) ففعل البطركان وسارا إلي البشموريين ونصحاهم ووبخاهم فلم يقبلوا، فعادا وأخبرا المأمون فأمر الأفشين أن يسير إليهم بعسكره ويقاتلهم. فلم يقدر عليهم لتحصين مواضعهم، بل كانوا يقتلون من عسكر الأفشين كل يوم جماعة]].
[[وسار المأمون بجيشه وأمر بحشد جميع من يعرف طرق البشموريين من أهل المدن والقري المجاورة، فوصل إليهم (الجيش) وأهلكوهم وقتلوهم بالسيف ونهبوا وخربوا مساكنهم وأحرقوها بالنار وهدموا بيعهم (كنائسهم). ولما رأي المأمون كثرة القتلى أمر العسكر أن ترفع السيف والذي بقي منهم أسره إلي مدينة بغداد من الرجال والنساءّ (*)]].
ولما عرف (؟) بطريرك أنطاكية أن سبب الثورة كان ظلم متولي الخراج [[تقدم للمأمون وقال له (بسبب الثورة)، (..) فلما سمع منه قال له اعف نفسك ولا تقم بمصر بعد هذه الساعة، فلو سمع أخي (ابراهيم المعتصم، الذي ملك بعده) ذلك لقتلك لأن جباة الخراج كانوا من عنده (..) فسار من مصر فورا. ولما سمع ابراهيم بما قال غضب جدا. ولما توفي المأمون وجلس ابراهيم (المعتصم) أخوه، هرب (بطريرك أنطاكية) حتى عاهده أنه لا يقتله]].    
(*) تذكر بعض المصادر أن البشموريين الذين أُسروا تم توطينهم في مستنقعات الأهواز (شط العرب) في جنوب العراق ليصلحوا أرضها وذلك في ظل ظروف مناخية سيئة وأمراض الملاريا (..) ولعل بقاياهم شاركوا في ثورة الزنج.
وجدير بالذكر أنه بعد المذبحة التي قام بها المأمون (بمساعدة، غير مقصودة، من بعض القبط) تقدم إليه أحد كبار القبط وطلب أن يوليه على مدينة بورة (بالقرب من دمياط)، فعرض عليه المأمون اعتناق الإسلام حتى يمكنه أن يعهد إليه بهذه الولاية، فقال له: “لأمير المؤمنين عشرة آلاف مولى مسلم (أي متحولون)، أفلا يكون له مولى واحد نصراني؟” فعهد إليه بالمدينة. (ترتون، أهل الذمة في الإسلام). وتشير روايات تاريخية أن المأمون سأل أحد أصحابه، ويسمى عمرو بن عبد الله الشيباني، عن أصل القبط، فأجابه بأنه يرجع إلى فراعنة مصر القدماء، ثم ذكّره (بسبب شكوى مسلمين ومتحولين) بأن الخليفة عمر بن الخطاب قد نهى عن استخدامهم في أعمال الحكومة والكتابة، فلما عاد المأمون إلى بغداد أمر بعزل جميع الذميين من وظائفهم وسجن الكثير منهم. (ابن النقاش، الذمة في استعمال أهل الذمة).
[[فلما أفاق البطريرك قليلا اهتم بأمر الحبشة والنوبة (..) وكانت الحروب قد قامت بينهم وبين الولاة المسلمين إلى أن تولى ابراهيم (المعتصم) فكتب إلي زكريا ملك النوبة (يطلب منه) خراج أربع عشر سنة سلفت (من العبيد) وإلا نحاربك. وكان كاتب الوالي في الصعيد انسان شماس اسمه جرجه، فكتب إلى البطريرك (ينصحه)، فكتب البطريرك إلى ملك النوبة (..) يقول “وكانت خطيتي تمنعني من أن أكاتبكم لأجل الحروب ومخالفة أهل البشموريين لأوامر الملك إلى أن قتلهم وخرب مواضعهم وهدم بيعهم (..) فيجب يا أحبائي أن تتموا ما يجب عليكم لهؤلاء الملوك (..)”. فلما وصل الكتاب قال زكريا “ماذا أفعل (..) ومن يجمع لي بقط أربع عشرة سنة أنفسا (عبيدا) أنفذهم إليه (المعتصم)”]]. ثم أرسل ولده إلى مصر ثم بغداد فتنازل المعتصم عما مضي من سنين لأجل حضوره وإعلان طاعته.
وبرغم جهود البطريرك في الضغط على ملك النوبة وإقناعه بالخضوع للمعتصم، فقد[[ أنفذ الملك (المعتصم) إلى مصر أن تؤخذ من البيع (الكنائس) في كل مكان الأعمدة والرخام، وكان  (المسئول عن تنفيذ الأمر) نسطوري اسمه العازر (..) ثم وصل إلى (دير) الشهيد مار مينا بمريوط وأخذ ما فيه من العمد والرخام النادر (برغم توسلات البطريرك) وأرسله إلي الاسكندريه لينفذوه إلي مدينة الملك (..) فحزن الأب حزنا عظيما]].
[[وبعد أيام جاء وباء عظيم على البهائم (..) حتى أن لا يقدر أحد أن يمشي في الأزقة إلا بعد أن يسد أنفه من كثرة الجيف، وانقطع الزرع وكانت أرض مصر في حزن عظيم. ثم عاد الوباء على الناس وفنوا (..)]]. وانتهت فترة الأوبئة. 
[[وكان انسان قاض بمصر اسمه محمد بن عبد الله، وكان مخوفا لا يقدر أحد أن يقاوم كلامه لأن كان عند جميع المسلمين مثل الفقيه والإمام وعارف بمذهبهم (ولكنه) يفعل أفعالا مذمومة سرا وكان محبا لشراب النبيذ وسماع الغنى، واقتنى الجواري الحسان وأحب اللذة والزنا بلا خوف من الله ولا حياء من الناس (..) وكان مستمرا على جهله وشتمه (لكل) مذاهب المسيح وفاتح الأب البطريرك عدة مرات ويخزي عليه (..)]].
[[ثم تولى على الاسكندريه (848) مالك بن ناصر الحدر، وكان إنسان سوء ظالما أكثر من الوالي الذي كان قبله (..) فلما كان بعض الأيام ركب وجاء إلى (مسكن) البطريرك ومعه سراري، ثم أنه طاف جميع المسكن حتى انتهى إلى المخدع الذي ينام فيه البطاركة كل زمان، فطرد الأب منه وأدخل سراريه إليه وأكل معهن وشرب ونام معهن فيه، وهو الموضع الممتليء بخورا وطيبا من صلوات البطاركة فحزن الأب وبكى جدا (..) فلما فعل هذه الأفعال الطمثة خرج وعاد إلى موضعه]]. يقول ساوري أنه مرض ذلك اليوم حتى شارف الموت، وكان ينزف ولم يقدر الأطباء على شفائه.
ثم وشي البعض بأن البطريرك [[يكاتب ملوك الروم (الذين) يُنفذون (يُرسلون) إليه مالا كثيرا، فأرسل وأحضر البطريرك واعتقله في موضع ضيق، وعول على عقوبته إلى أن يدفع له ألف دينار (ثم خفضها) إلى أربعمائة دينار، فجمعها تلاميذه فأطلقه (..)]] وفي اليوم السابع مات الوالي.

 

 

11ـ وفي أيام الأنبا قزما (851ـ859) ازداد تعسف الوالي بالاسكندرية حتى اضطر البطريرك إلى تغيير مقر كرسيه إلى مدينة دميره، شرقي مصر. [[ثم أن ملك المسلمين جعفر المتوكل (الخليفة العباسي، تولى في 847) أنزل على البيع في كل مان بلايا لا تحصى عددها. وأمر بهدم البيع كلها ولا يكون أحد من النصارى الأرثوذكسيين (الأقباط وأتباع كرسي أنطاكية) والملكيين والنسطوريين ولا اليهود بلباس أبيض بل بلباس مصبوغ ليظهروا في وسط المسلمين. وأمر أن تجعل صور مفزعة على ألواح خشب وتسمر على أبواب بيوت النصارى، وألزم أكثرهم بالإسلام]].
[[وأمر ألا يخدم نصراني في خدمة السلطان بالجملة، إلا القوم المسلمين ومن ينتقل إلى الإسلام (*). ولأجل ذلك قلت المحبة والصبر من قلوب كثير حتى أنهم أنكروا المسيح؛ فمنهم من أنكر بسبب رتبة العالم لمحبتهم فيه، وآخرون لما لحقهم من الفقر. فلما علم السلطان (الذي يقوم بالحكم التنفيذي تحت الخليفة) أنه قد زرع هذا الأمر الطمث (الرديء) في الكورة البرانية، بدأ يبذره في كورة مصر (..) فأنفذ من جهته انسانا اسمه (عنبسه) ابن اسحاق ولاه خراج مصر والولاية، وأمره أن يفعل في بيع مصر والنصارى مثلما فعل بمدينة بغداد والمشرق. فلما وصل بدأ بالنصارى وأنزل عليهم بلايا وأذلهم جدا بأحزان شتى (..) ثم بدأ (يمنع) إظهار علامة الصليب تماما، وجعل يكسر كل صليب في البيع بالجملة (..) وضيق علينا وعلى مذهبنا حتى أن النصارى ما عادوا يتمكنون من الصلاة في البيع إلا بصوت خفي، لا يُسمع من الخارج، ومنعوهم من الصلاة على نصراني إذا مات. وقطع ضرب الناقوس. ثم بدأ يمنع النصارى من القداسات وأن لا يقدسوا جماعة (..) ولم يزل هذا الظالم يثقل نيره على النصارى من شدة بغضه لهم (..) وأخرج النصارى من الدواوين وجعل عوضا عنهم المسلمين. وجعل النصارى واليهود يصبغوا ثيابهم. وجعل على أبوابهم كما في بلاد المشرث صورا مفزعة تشه شيطانا عليها رؤوس كثيرة ووجوه لها نابين راكبة على صورة تشبه خنزير. وأمر ألا يركب نصراني فرسا. هذا فعله (لكي) يخرج النصارى من دينهم. وقوم كثير لم يصبروا (بل تحولوا)]].
(*) كره هذا الخليفة العباسي، كما كره قبله الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز وغيره، استعمال الذميين في أعمال الدواوين، وتقول أحدى المكاتبات إلى عمال (ولاة) الأقاليم: “أما بعد، فإن المشركين نجس حين جعلهم الله جند الشيطان وجعلهم الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فأولئك لعمري مما تجب عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين. إن المسلمين كانوا فيما مضى إذا قدموا بلدة فيها أهل الشرك، يستعينون بهم لعلمهم بالجباية والكتابة والتدبير، فكانت لهم في ذلك مدة، فقد قضاها الله. فلا (عرفتَ) كاتبا ولا عاملا في شيء من عملك (ولايتك) على غير دين الإسلام، إلا عزلت واستبدلت مكانه رجلا مسلما. فإن مَحقَ أعمالهم (هو) مَحقُ أديانهم، فالأولى بهم إنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله بها من الذل والصغار. فافعل ذلك واكتب إليّ كيف فعلت” (ابن النقاش، الذمة في استعمال أهل الذمة، وابن قيم الجوزية، أحكام أهل الذمة ص212).
[[وفي ذلك الزمان تقدم الوالي (عنبسة) بعمل مراكب في سائر البلاد التي على الساحل لأن الروم كانوا قد وصلوا دمياط ونهبوها وأقاموا ثلاثة أيام ومضوا. لأجل ذلك عملت مراكب كثيرة (..) وكانوا يمضون بها إلى بلاد الروم ويحاربونهم. (وكان) ينفق في الأسطول كل سنة مالا كثيرا. أما النصارى (القبط) فإنهم كانوا يسيروهم في المراكب ولا يُدفع لهم ما ينفقوه في طريقهم ولا درهم واحد ولا زاد الطريق بل كانوا يعطوهم جراية من الطعام فقط. وكان الوالي من كثرة بغضته للنصارى يفعل هذا ويحصي البلاد كلها ويجعل على كل ضيعة عددا من الرجال يعمل في الأسطول. وكان لا يعطيهم سلاحا (بل عليهم شراء سلاح) ويتفقد أحوالهم ومن وجده بغير سلاح، أو في سلاحه نقص، يقسو عليه ويغرمه ويأمره بابتياع عدة يقاتل بها. حتى أنهم كانوا يأخذون (أشخاصا) ضعفاء لا قدرة لهم ولا يعرفون صنعة البحر ولا القتال، فكان (بعضهم) يدفعون ما يملكون (لأشخاص يقبلون الذهاب بدلا عنهم). ولما اشتكوا، أمَر (الوالي) أن يُعطى كل واحد من النصارى ديناران، (ولكن كان على الواحد منهم أن يزيد عنها) لمن يقيم بديلا عنه من المسلمين بخمسة عشر دينارا. وكانوا، من الاضطهاد الذي نالهم، يشتهون الموت (..)]].
تبين الفقرة السابقة حركة تجنيد، أو تسخير، الأقباط في الأسطول الحربي دون هوادة وكيف عوملوا بوحشية زائدة تجاوزت حدود معاملة العبيد. ويذكر جمال الدين، حول تجنيد القبط في الجيوش الإسلامية تجنيدا إجباريا مدى الحياة، كيف أن الخليفة الفاطمي المعز استخدمهم في فرقة من جيوشه، بعد احتلال مصر.
ثم استُدعي عنبسة إلى بغداد [[وكان قد تزوج بمصر واقتنى سراري وبنى مساكن ورزق أولادا واقتنى نعما كثيرة لا تحصى، وللوقت أصابه فالج ومات عقب ذلك بأيام قليله]]. 

***
مما سبق، أعلاه والمقالات السابقة (التي استندنا فيها إلى أكثر من ألفي صفحة، راجعناها بالتفصيل)، نلاحظ بعض الإجابات للأسئلة التي اقترحنا في بداية هذه السلسلة محاولة فحصها. ونلفت النظر خاصة إلى:
ـ أنه لا يوجد اختلاف بين الأمويين والعباسيين من جهة الشراسة والجشع والهمجية التي يحسدون عليها…
ـ انفضاح الأكاذيب التي يرددها تلاميذ (عبيد؟) مدرستي “التاريخ المقدس” و “السلف الصالح المقدس” مثل أن “الجزية كانت مبلغا زهيدا” (الحقيقة أنها كانت مبلغا باهظا لا يقدر عليه الفقراء ومعظم متوسطي الدخول)؛ أو أن “الجزية فرضت على أهل الذمة كبديل عن تجنيدهم في جيوش المسلمين” (الحقيقة أن القبط جندوا، بل سخروا، إضافة لدفع الجزية)؛ أو أن سوء معاملة القبط وقهرهم كان استثناء في بعض فترات التاريخ (الحقيقة هي أن العكس هو الصحيح).ـ أن موقف الكنيسة يبدو ثابتا مع الأيام: رفض العنف كمسألة مبدأ، والخضوع للحكام أيا كانوا. ومع ذلك نرى بوضوح أن الحكام العرب، بكافة أشكالهم، على مدى أكثر من قرنين، لم يكونوا يعبأون إطلاقا بمثل هذه المواقف بل كانوا يعنفون ويبتزون ويفترون كما يشاؤون. بل إنه بين 15 بطريركا تولوا بعد الغزو العربي حتى الأنبا قزما المذكور أعلاه، تم القبض على ستة منهم وسُجنوا وعُذبوا وأُهينوا. (ملحوظة: عندما عزل أنور السادات، قبل شهر من اغتياله، البابا شنودة الثالث ونفاه إلى أحد أديرة الصحراء، ثم أبقاه حسني مبارك منفيا إلى اكتمال أربعين شهرا؛ هل فعلا أكثر من استرجاع تقاليد “أجدادهم” من الولاة؟).

 


4 – الولاة الأتراك

11 أبريل 2009

كان صاحب الاسم الشاعري “عنبسة” آخر حاكم عربي على مصر في الفترة التي امتدت لأكثر من قرنين منذ الغزو العربي، وبدأت بعدها فترة الولاة الأتراك، بدءا بيزيد بن عبد الملك (٨٥٦). ذلك لأن الخلفاء العباسيين في بغداد قد بدأوا الاستعانة بقبائل تركية قادمة من أواسط آسيا، أولا كجنود ثم وزراء، لحمايتهم في مواجهة سطوة العرب والفرس. وسريعا تفشت سطوة هؤلاء وأصبح كبير الوزراء منهم وتسمي “سلطان” ليصبح الحاكم الفعلي الذي يرسل الولاة (غالبا أتراك) للأقاليم. وجدير بالتنويه أن دارسي التاريخ يقسمون الفترة بين الغزو العربي (٦٣٩) والغزو العثماني (١٥١٧) إلى ثلاث حقب رئيسية: حقبة الولاة (العرب ثم الأتراك)؛ والحقبة الفاطمية؛ والحقبة الأيوبية المملوكية.

***

هل اختلفت الأمور بالنسبة للقبط تحت الولاة الأتراك؟

١٢ـ في أيام الأنبا شنوده، البطريرك الخامس والخمسون (٨٥٩ـ٨٨٠) يقول ساوري:

[[وكان في تلك الأيام جعفر المتوكل خليفة، وثار عليه ولده محمد (المنتصر) وأخذ مملكته. ولما تولى، عزل جميع الولاة الذين كانوا في زمن أبيه (..) وأنفذ إلى مصر أحمد ابن محمد المدبر، وكان رجلا شديدا وصعبا (..) ففعل أفعالا لم يفعلها أحد قبله. وكان قد أقام بفلسطين مدة كبيرة وأذاق أهل تلك البلاد صعوبة وبلايا (..) وعند وصوله إلى مصر (..) أنفذ إلى الديارات (الأديرة) بكل موضع وأحصى الرهبان التي فيها وطالبهم بالجزية والخراج عن الحشيش وعن النخيل والشجر. فلما وصل الخبر للأنبا شنودة بكى بكاء مرا وقال: “أيها الجبل المقدس وادي هبيب (شيهيت، النطرون) الذي هو ميناء الأنفس الضالة كيف أقام عليك الشيطان هذا البلاء الذي يحل بالساكنين فيك”. وكان هذا الإنسان (الوالي) الظالم يطلب الأب (البطريرك) ليأخذه ويمضي ويضمن ما يتعلق بهذا الوادي وجميع ديارات مصر (..) فهرب منه (..). ومن شر فعله، أنفذ (الوالي) إلى كل البيع (الكنائس) وأحضر ما عند كل واحد (..) وأمر أن تغلق البيع بمصر (الفسطاط؟) إلا بيعة واحدة. وكان نوابه يأخذون القائمين على كل مكان يحبسونهم ويقيدونهم بالحديد ويحملوهم إلى مصر (..) وفي زمانه أجمعَ مال البيع والأساقفة والأديرة (..) وظل البطريرك هاربا ستة أشهر، فلما رأى أن غضب (الوالي) لا يتراجع بل يتزايد، استعد أن يسلم نفسه عن البيع والأساقفة (..) ومضى سرا إلى منزل (شخص قبطي) في الفسطاط وكتب للوالي يلتمس منه أمانا لكي يظهر له (..) فرد عليه بمكر :”إذا أنت حضرت عندي قبل أن يقبضك أحد ممن يطلبك من جهتي في كل الأماكن فأنت مطلق ومسامَح بالبلاء الذي أردت أن أنزله بك والبيع، فإن قبضك إنسان وأحضرك إليّ فإني أفعل بك ما أضمرت به لك وأكثر منه”]].

فذهب إليه البطريرك، فألزمه بخراج سنتين سابقتين على وصوله لمصر، وكان مجموع ما عليه سبعة آلاف دينار. [[وكان هذا بداية البلاء من عظم الخراج الذي ثبته على البيع وعلى الأساقفة والأديرة في كل كورة مصر (..) وكان الإنسان الفقير الذي يعجز (عن أن يجد) قوته يأخذ منه (دينارين) حتى ضج أهل مصر من عظم هذا العذاب وجحد (أنكر دينه وأسلم) كثير من النصارى لأجل قلة ما بيدهم (..) واجتمع الأساقفة بفسطاط مصر وقسطوا على أنفسهم ما (ألزم الوالي البطريرك بدفعه) وما قدروا أن يوفوه (..) وكانت كورة مصر في ضيق عظيم وافتقر الأساقفة والرهبان بسبب الغرامات]].

[[وفي تلك الأيام مات المنتصر ابن المتوكل، قاتل أبيه، وانتقم منه الله لأجل ما فعل مع أبيه (..) وملك بعده المستعين وكان رجلا صالحا، وفعل خيرا في أيامه (..)]] ثم خرج عليه أخوه المعتز ونزعه من الملك وجلس عو ضا عنه وتحارب الأخوان ثلاث سنين.

(وبعد أن انتصر المعتز) [[خُطِب له بمساجد مصر، وفرح (الجميع) من أجل ما كان من الخوف على البلاد، لأن العرب بأرض مصر كانت قد أفسدت، وهُم القوم الذين يسكنون الجبال والبراري (الأعراب)؛ وأفسدوا في الصعيد ونهبوا وقتلوا. ومن جملة ما نهبوا دير أبو شنوده ودير القلمون بالفيوم ودير أنبا باخوم بطحا (..) وحرقوا الحصون ونهبوا الأعمال وقتلوا (كثيرا) من الرهبان الذين فيها، وأفسدوا جماعة من الراهبات العذاري وقتلوا منهن بالسيف وفعلوا أفعالا إن ذكرنا اليسير منها طال الشرح وعلي القاريء فهمه]].

[[ولم يلتفت ذلك الرجل السوء، ابن المدبر، إلى تلك الحروب ولا لما وقع على البلاد من الخوف، بل كان يضمر للناس البلايا ويحصل الأموال]].

ثم في أيام الصوم الكبير ذهب البطريرك إلى برية شيهيت (النطرون) [[ فوصل الأعراب المفسدون، لأنه زمان نزولهم من أرض الصعيد إلى أرض الريف (الدلتا) بعد موسم ربيع دوابهم، (واستولوا على) بيعة الأب: المقار والحصون، ونهبوا جميع ما فيها وأخرجوا الشعب بالسلاح يوم خميس الفصح (..)]].    

[[وفي ذلك الزمان قام إنسان مسلم من قبيلة المدلجة من سكان اسكندرية ومعه خلق كثير من أصحابه المقاتلين (..) فأحرقوا بلادا كثيرة وقتلوا كثيرين (..) وقوي أمرهم وملكوا أواسي دير أبو مينا بمريوط ودير أبو مقار، نهبوا جميعها وأكلوا زرعها وتقاسموها. ولما طغوا وبغوا (..) حاصروا مدينة الاسكندرية وطلبوا أن تسلم لنهبها كما نهب غيرها من البلاد وسبي الأولاد والنساء وقتل الرجال وأخذ الأموال (..) وطال الحصار و(قارب الناس على المجاعة لولا أن) أرسل لهم سكان رشيد مراكب غلة (..)]].

[[(..) ثم قام واحد من جنس الملك وحشد حوله أقواما كثيرة مقاتلة (القرامطة) وسار إلى الموضع الذي يسمى الآن مكة بأرض الحجاز ويسمى الكعبة، و(استولى عليها) وعلى البيت الذي يحج إليه المسلمون، وهو المكان الذي يقولون لا يدخله إلا شريف، لكرامته عند المسلمين. ولما ملكه هذا الثائر، احرقه بالنار (..)، وكان المسلمون في حزن عظيم لأجل خراب البيت]].

[[وأرسل (الخليفة) إلى مصر واليا اسمه احمد بن مزاحم (ابن خاقان)، كان في مذهبه تقيا عفيفا عارفا بفرائض دينه وعادلا في طرقه (*) وصحبه جيش من الأتراك. وكان هؤلاء القوم شجعانا مقتالين لا يقدر أحد على مقاومتهم لأن سلاحهم كان على خلاف سلاح أهل مصر وهو النشاب (..). وقاتل القوم الذين أثاروا الفتن (المدالجة) وقتلهم بالسيف (..) وأمنت أرض مصر وفرح أهلها]].

(*)  بقي في منصبه شهرين فقط (توفي في ٢٥٤ هـ ـ٨٦٧م)

[[وأما ابن المدبر، الظالم الذي ذكرناه، فلم يرجع عن فعله الرديء، وكتب إلى جميع أرض مصر بأن يؤخذ من كل واحد خراجين في تلك السنة، ومن كل نصراني جزيتين. فعاد الناس إلي الفقر (..) حتى أن الأغنياء لم يقدروا على الخبز (..) وكان غضبه على البطريرك وطالبه بالخراج عن الأواسي وما يتعلق باسكندرية وبيعة مارمينا والأديرة، وجزية الرهبان التي كان قررها عليه وهي سبعة آلاف دينار ولم يوفها إلا بعد عذاب شديد وضيقة (..) ولم يقتصر ابن المدبر على أفعاله الردية وبخاصة على الرهبان الذين في البراري، ومطالبته لهم بما لا يقدروا عليه، إلى أن لم يقدر أحدهم أن يصبر فسقط في أسر الشهوة وتزوجوا وبعدوا عن (..) برية أبو مقار، وأبونا ينظر هذا وقلبه يحترق وهو مواصل الطلب ويسأل الرب (..)]].

[[وأنفذ الملك إلى أرض مصر واليا على الخراج (*) ولما وصل فعل الخير وأظهر بفعله خوف الله (..) ومضى أنسان راهب قديس إلى مدينة الملك (الخليفة؛ أي بغداد) واستعان بقوم نصارى (يعملون في ديوانه) وسأل الملك بشأن جزية الرهبان وخراجهم فكتب له سجلا (..) ورجع إلى مصر، وفرح الوالي بالسجل لأجل صلاحه ورأفته بالرهبان وتمم أمر الملك وكان يستشهد باستشهادات من القرآن (**) أن من يسكن الجبال لا يُلزم بخراج أو جزية (..)]].

(*) هل يقصد ابن خاقان السابق ذكره؟ لاحظ من الفقرات السابقة والتالية كمّ الفوضى والتضارب الناشيء عن تتابع الولاة ذوي السلطات المختلفة؛ منهم والي الخراج (المسئول عن الجباية) ووالي “الصلاة” (المسئول عن الإدارة العامة والأمن) الخ.

(**) هذه أول مرة في مخطوطات “تاريخ البطاركة” يأتي ذكر القرآن، إذ يبدو أنه لم يكن معروفا أو منتشرا من قبل (؟)

 [[وكان ولاة (الأقاليم) من الغز (الأتراك)، ومنظرهم مخوف، مبغضين للنصارى. وكانوا يصهلون على النساء مثل الخيل ويخطفون أولاد الناس وينجسوهم بغير خوف، وينهبوا المواشي ويذبحونها ويأكلونها (..) في مداومة الأكل والشرب والفسق، وفعلوا أفعالا منكرة تضيق السيرة عن شرحها. وكان الآباء الأساقفة من شدة الخوف يتزيون بزي العلمانيين (للتخفي)]].

[[ووشي (راهب سابق من البشمور) بالبطريرك فخرج الجند أصحاب الخيل ومضوا إلى حيث كان  مختفيا وقُبض عليه وحُمل إلى مصر (الفسطاط). وعند وصوله أمر الوالي بطرحه في السجن مع المعتقلين اللصوص والقتلة فعلة السوء. (وإذ كان مريضا بالوجع والنقرس) ناله تعب عظيم. وسمع أخباره جميع الناس النصارى والمسلمين. وأمر الوالي أن لا يدخل إليه أحد إلا تلميذ واحد يأتي إليه بطعام، ولا يمكنه الحديث معه والوصية بما يريد (..). وأرسل (الوالي) إلى جميع بلاد أرض مصر وقبض على جماعة من الأساقفة، وكان إذا قبض على أحدهم يشهر به وينزع عنه الثياب ويلبسه غيرها، إلا القلنسوة  التي يلبسها الرهبان، ويركبه الدواب بغير سروج ويهزأ بهم قدام أهل البلاد (..) وأقام الأنبا شنوده في هذا الضيق أربعين يوما ثم أطلقه الوالي بعد أن طلب منه ما لا يقدر عليه (..) وأخلي سبيل الأساقفة وهم في طريقهم لمصر]].

ويفرد ساوري صفحات طويلة يحكي قصة راهب آخر (كان يريد منصبا ورُفض) اتهم البطريرك عند الوالي أنه “يسحر قوما من المسلمين ليُعمِّدهم”. أمر الوالي بالتحقيق في التهمة، وأرسل كاتبَه مع جند إلى دير “أبو يُحَنِّس” بوادي هبيب فقبضوا على أحد الرهبان بزعم أنه كان في السابق مسلما، لكنه أكد أنه نصراني طول عمره وابن نصراني. فأحضر الكاتب شهود زور ثم وعد الراهب بمال إذا أعلن إسلامه، فرفض. وأرسل الكاتب قوما من الجنود الأتراك “الذين لا يعرفون الكلام بلسان أهل مصر” إلى حيث الأب البطريرك ليحضروه إلى مصر، وأقاموه من فراش مرضه وحملوه على أيديهم وأنزلوه مركبا بعد نهب جميع ما وجد في قلايته (مسكنه)، ومنها صناديق من الكتب البيعية (الكنسية) حيث كان عظيم الاهتمام بالكتب وعنده عدد من النساخ. ووصلوا ليلا إلى الفسطاط وأودعوه حبسا ضيقا مع اللصوص والقتلة. وبعد أيام طالبه الكاتب بمال ليفرج عنه فلم يكن معه. ثم أحضروا سمعان أسقف “بنا” الذي اتهم بأنه يخفي أموال البطريرك وأمر الكاتب فبطح على بطنه وضرب حتى جرى الدم من جسمه، ثم حُبس. وبعد ثلاثين يوما تأكد الولاة أن الراهب كان نصرانيا (طول عمره) فأطلقوهم. ثم علم بما جرى قومٌ تجار مسلمين مشهورين من الاسكندرية، كانوا يترددون على الأديرة ويبتاعوا الحصر وغيرها، فأخبروا الوالي فقبض على الراهب صاحب الوشاية الأصلية وحبسه سنة.

 

١٣ـ وفي أيام الأنبا خائيل الثالث (٨٨٠ـ٨٩٤) يقول ساوري أن أسقف سخا بعد عزله من منصبه بواسطة مجمع الأساقفة (بسبب مخالفات) [[مضى إلى الأمير أحمد ابن طولون (..) فشكا له البطريرك وقال إن معه مال عظيم. ففرح ابن طولون (*) لأنه كان مهتما بجمع ما ينفق على تجريد عسكر الشام، فأحضر الأب البطريرك وخاطبه قائلا: “أنت تعلم ما نحتاج إليه من الأموال لتُحمل إلى الخليفة ببغداد لأنه صاحب هذه الأرض، وخاصة لما عليه من الحروب. وأنتم يا مقدّمي النصارى تحت سلامه، وما تحتاجون إلى ذهب ولا فضة (بل فقط) خبزا تأكلوه وثوبا تلبسوه. وقد عرفت أن لك مال كثير وآنية لا تحصى ذهب وفضة وديباج، وأنا أحبك وأوقر شيخوختك (..)” فقال له البطرك: “(..) أنا إنسان ضعيف لا أملك ذهبا ولا فضة ولا شيئا مما سُعي به إليك، وعظمتك تعرف أننا قوم مأمورون (بديننا) ألا نكنز كنوزا على الأرض (..) وأنا بين يديك افعل ما تريد، فسلطانك على جسدي، وروحي بيد خالقها”. فلما سمع ابن طولون ذلك غضب وقال: “حقا إن إكرامي لك أوجب إنكارك عليّ بمالك. وكل من هو خارج عن ديننا إذا أُكرم لا يعرف الإكرام”. ثم أمر بحبسه (..) وكان الحبس مملوءا جدا. وبعد انقضاء سنة، دفع البطرك للسجان شيئا حتى يعمل له (مرحاضا) (..)]].

(*) ابن طولون (ابن مملوك من تركستان) كان قائما على أمر مصر نيابة عن باكباك، الذي أقطعه الخليفة مصر (أي أعطاها له إقطاعية)، وعن يارجوخ بعده؛ ثم أصبح واليا شبه مستقل لها. وكان متعسفا في فرض الضرائب واشترى الكثير من العبيد الترك والسود والحبش والبيض من سكان جزر البحر الأبيض. واهتم بالعمارة، وابتدأ ببنيان مدينة (القطائع) فأمر بحرث قبور النصارى واليهود وبنى موضعهما. وبنى جامعا ليس له نظير في البلاد الأسلامية كان مهندسُه (كما يقول المقريزي) رجلٌ قبطي حاذق.

[[وكان أحمد ابن الماذرائي، وزيرُ ابن طولون، له كاتب اسمه يؤنس (يوحنا) فسأله في البطرك (..)، فذكر الوزير حال البطرك (المسجون) لابن طولون فقال له: “أنا أقتله فإنه تجالد عليّ”. (ثم أقنعه الوزير، فأطلق البطريرك لحين تقرير ما سيدفع). واستقر بعد سؤالات ومخاطبات كثيرة على عشرين ألف دينار، منها عشرة آلاف خلال شهر والبقية إلى أربعة أشهر. (فأمر ابن طولون أن يكتب على الكاتب يوحنا وولده مقار صك بما استقر) (..) ولما قرب مرور الشهر ولم يكن مع البطرك شيء قلق الأراخنة. ثم أحصوا الكراسي الخالية من الأساقفة فوجدوها عشرة (فاختاروا) لها عشرة أساقفة بعد أن قرروا على كل منهم أموالا، ورسمهم البطرك. وأحضر يوحنا وولده ألفي دينار واقترضوا (باقي المبلغ) من كتاب مسلمين وحملوا العشرة آلاف دينار إلى الأمير عند انقضاء الشهر (..) واجتمع البطرك إلى السنودس (مجمع الأساقفة) وتشاوروا في أمر المال المقترض وما تبقى للأمير، فاستقر رأيهم على أن يعودوا لكراسيهم ويأخذوا من كل (كاهن) قيراط  ذهب. ونقضوا بفعلهم هذا قانون الآباء الحواريين ومعلمي الكنيسة القديسين القائلين أن لا يؤخذ عن (الكهنوت) لا ذهب ولا فضة (أي حظر الشرطونية). وأخذوا من العشرة أساقفة (الجدد) ما استقر عليهم. ثم مضى الأب البطرك إلى وادي (شيهيت) (..) فأخذ من كل راهب دينارا واحدا. ثم مضى للإسكندرية وسأل الكهنة أن يأخذ ما في الكنائس ليبيعه ويحمل ثمنه، فلم يطيعوه وأخيرا تقرر أن يبيع رباع الكنائس واشترطوا عليه أن يعطيهم في كل سنة ألف دينار ويكون هذا رسما عليه وعلى كل من يجلس بعده على كرسي مرقس الإنجيلي (..) فاجتمع له من كل ذلك (ما يكفي لسداد) ما اقترض، وبقي عليه عشرة آلاف لا يعرف كيف يجمعها (..) وصار في كآبة مما جرى من (الشرطونية)]].

وفي تلك الأيام (حوالي ٨٧٧) تحارب الروم والمسلمون، وأسر كل جانب من الآخر، فكتب ملكا الروم إلى ابن طولون يطلبان تبادل الأسرى نفسا بنفس، فرفض ابن طولون [[فكتب إليه الملكان يقولان: “السلام عليكم بمقدار استحقاقك. وصلتنا كتبك جوابا عما كتبنا عن المأسورين، فوجدنا فيه كلاما ينقض بعضه بعضا (..) بل شتمت مذهبنا (ديننا) وهذا ما لا يجب (..) فلا يجوز أن تشتم مذهبنا ما لم يظهر فيه عيب. وقد تأملنا ما وصل إلينا من غيرك منذ ظهور دينكم فما وجدنا فيه شيئا مثلما واجهتنا به من الشتم للمذهب، فعلمنا أن سابقيكم أجل منكم (..)”]].

(*) لاحظ غطرسة ابن طولون؛ ففضلا عن عدم اهتمامه باسترداد أسراه (وكلهم من العبيد المماليك الذين تشكل منهم جيشه)، راح يسب المسيحية في مراسلات سياسية لا علاقة لها بالدين!

[[ثم خرج ابن طولون لدمشق، ومات بعد عودته (٨٨٣) وجلس ابنه خمارويه موضعه (..). وعاد الأب البطريرك لقلايته (بعد إطلاق سراحه وإعفائه من باقي المبلغ) يمجد الله، لكنه كان حزينا على ما انحل من قوانين الكنيسة وعلى من يأتي بعده على كرسيه من حال الشرطونية وما جرى بينه وبين أهل الاسكندرية]].

١٤ـ وجاء الأنبا غبريال، السابع والخمسون، (٩١٠ـ٩٢١) بعد خلو الكرسي المرقسي ١٦ عاما. وفي أيامه تفاقمت مشكلة “الشرطونية” بسبب استمرار ضغوط الحكام المالية. وأقام معظم فترة بطريركيته في وادي هبيب (النطرون). ولم تنصلح الأمور في السنوات التالية حيث تردت أحوال الكنيسة. ثم تولى الأنبا مينا (٩٥٦ـ٩٧٤).

كان الوالي على مصر محمد بن طغج الأخشيد، الذي كان  أحد قواد الطولونيين، وحاول إقامة دولة شبه مستقلة عن الخلافة مثلما فعلوا، لكنه واجه منافسه سيف الدولة في الشام ومحاولات الفاطميين في المغرب دخول مصر. وأصبحت مصر في عصره من أعظم أسواق الرقيق الأسود والأبيض في ديار الإسلام. وظهرت في عهده وظيفة المحتسب الذي يراقب مراعاة أحكام الشريعة ويسهر على السلوك العام. واستمرت “مضايقات” القبط كالعادة.

[[ثم سار الإخشيد إلى فلسطين ومات هناك. ثم تولى بعده ولداه أبو القاسم وأبو الحسن وكان معهما أستاذ لأبيهما اسمه كافور، كان قد سُبي من بلاد النوبة (وهو طفل) وسلمه مولاه لمن علمه الخط والأدب فلما كبر ورآه ناجبا سلم إليه مملكته]].

[[ومات الولدان بعد سبع سنين فتولى كافور. ثم مات (بعد مائة يوم فقط)، فأخذه مقدمو الدولة وحنطوه وأجلسوه على كرسي عال في قصره وألبسوه ثوبا بأكمام طوال جدا حتى تصل إلى باب المجلس، وأقاموا خداما بين يديه وكل من جاء يسلم عليه منعوه من الدخول إليه قائلين أن سيدنا يأمر أن تقبل كمه وتسلم عليه من الخارج لأنه ضعيف (..) وجعلوا خلف كرسيه (شخصا) يحرك رأسه وكمه، إذا سلم عليه أحد. ولم يعلم أحد من قصره بذلك إلا الأستاذان الخواص وسراريه وأبو اليمن قزمان ابن مينا (كاتبه). فأقام هكذا ثلاثة سنين ووزيره يجبي الخراج ويدبر الأمور إلى أن عرف قوم الخبر فكتبوا إلى ملك المغرب، معد أبو تميم المعز لدين الله (..) فأرسل قائده جوهر ومعه جيش كبير (..) وملك أرض مصر (في ٩٦٩)]].

وبهذه النهاية الهزلية أسدل الستار على حكم الولاة الأتراك التابعين لدولة الخلافة العباسية، وبدأ فصل جديد من المآسي.

وفضلا عما تميزت به تلك الفترة من استمرار الأساليب الهمجية وتفشي الإفساد الذي قام به الأعراب، يبدو أن حرب الاستنزاف الشرسة ضد الأقباط وكنيستهم، التي استمرت لأكثر من ثلاثة قرون، قد بدأت تُؤتي أُكُلَها على شكل وشايات وطعنات وخلافات داخلية…***


5 – الفاطميون ومغامرات الحاكم بأمر الله

10 أبريل 2009

بعد أن ملك جوهر الصقلي أرض مصر (في ٩٦٩) وصل الخليفة المعز لدين الله (في ٩٧٣)، وأصبحت مصر مقر الخلافة الفاطمية.تاريخ الفاطميين في مصر مع الأقباط، مليء بالتناقضات الرهيبة. ففي البداية كانوا يميلون إلى التوود لهم (وهم في ذلك الوقت ما زالوا يمثلون أغلبية المصريين) لأن “أعداءهم” الحقيقيين هم السنيين المناصرين للخلافة العباسية، قبل أن يتحول مسلمو مصر للمذهب الشيعي؛ وكذلك حرصا على استمرارية العمل في دولاب الدولة (مثلا، أبقى جوهر قزمان ابن مينا ناظرا، “لما هو مشهور به من الثقة والأمانة”). لكن الأمور لم تبق على حالها.
والجدير بالذكر أن ساوري (ساويرس، الذي يعرف “بابن المقفع”) وهو المؤرخ صاحب كتاب “تاريخ البطاركة”؛ الذي نستند إليه بصفة رئيسية في هذه المقالات، كان كاتبا في الديوان ومعروفا بعلمه الغزير وله أكثر من عشرين كتابا. وقد تعلم اللغة العربية وأعد لنفسه قاموسا عربيا ـ قبطيا، ليساعده في كتابة “تاريخ البطاركة”. وأخيرا ترك اهتمامات الدنيا ودخل الدير، قبل أن يصبح أسقفا على الأشمونين، وتوفي قبيل انتهاء القرن العاشر.
بعد دخول الفاطميين لمصر بقليل، شرع جوهر، قائد قوات الغزو، في بناء مدينة جديدة شمال الفسطاط. وقد اختار موقعا لها (كما يقول جمال الدين) المدينة القديمة “كا ـ هي ـ رع” التي تحور اسمها إلى “قاهرة” ثم “القاهرة”.
ولم تكن أحوال البلاد عندئذ طيبة إذ [[في أول سنة لملك هؤلاء المغاربة (الفاطميين) عطشت أرض مصر (..) ولم يزل الغلاء لسبعة سنين متوالية (..) حتى أن كورة مصر خلت من الناس لكثرة الموت (..) وبلغ القمح نصف ويبة بدينار. وخربت عدة من كراسي الأساقفة لخلوها من الناس (..) وأضيفت للكراسي المجاورة لها (..) ولم يدخل البطريرك الاسكندرية مدة سنة (..)]].

١٥ـ وفي أيام الأنبا أبراهام السرياني، الثاني والستين، المعروف بابن زرعة (٩٧٤ـ٩٧٨)، وهو من أصل شامي، يقول ساوري أنه أبطل الشرطونية (أو السيمونية = أخذ المال مقابل المناصب الكهنوتية)، [[ولما رأى جماعة من الأراخنة (كبار الأقباط) يتسرون بالسراري ويلدون منهن، أحرم من يفعلون فأطاعوه (..) ويقال أن إنسانا من الأراخنة يعرف بأبي السرور الكبير كانت له وجاهة في الدولة، وكان له سراري كثيرة فأمره البطريرك بإخراجهم فلم يفعل فحرمه (..)]] (وانتقم الرب منه).
لاحظ كيف أن بعض أثرياء القبط بدأوا يتأثرون بعادات الغزاة…
وكان وزير المعز رجل يهودي اسمه أبو يعقوب بن كلس وصل معه من المغرب وأسلم على يديه، وكان لابن كلس صديق يهودي اسمه موسى (..) طلب من المعز مجادلة النصارى [[فأرسلوا إليه أسقف كرسي الأشمونين، ساويرس ويعرف بابن المقفع، وكان كاتبا ثم صار أسقفا، وأعطاه الرب نعمة وقوة في اللسان العربي (..) ومرات كثيرة جادل قضاة من شيوخ المسلمين بأمر الملك المعز  فغلبهم (..)]].
وفي اليوم الذي استقر فيه على مجادلة اليهودي، تحداهم بشأن آية الإنجيل التي يقول فيها المسيح “من كان في قلبه إيمان مثل حبة خردل، فإنه يقول للجبل انتقل فينتقل” [[فقال المعز: “هوذا أنتم نصارى ألوف وربوات في هذه البلاد (..) وأريد أن تظهر هذه الآية (..) وإلا أفنيتكم بالسيف]]. ويحكي ساوري معجزة تحرك جبل المقطم المعروفة، وبعدها قال المعز “حسبك يا بطرك، قد عرفت صحة دينكم”. ثم قال له “تمنى عليّ شيئا” فقال له: “ما أتمنى إلا أن يثبت الله دولتك ويعطيك النصر على أعدائك”. فأصر المعز، فطلب التصريح بإعادة بناء كنيسة أبو مرقورة والمعلقة وغيرها. فأمر المعز أن يكتب له سجل بذلك وأن يعطى من بيت المال ما يصرفه على العمارة. فأخذ السجل و(رفض) المال.
[[فلما قرئ السجل عند كنيسة ابو مرقورة، تجمع الباعة وأوباش الناس وقالوا: “لو قُتلنا أجمعين بالسيف ما مكنا أحدا أن يضع حجرا على حجر في هذه البيعة”. فعاد البطرك إلى الملك المعز فغضب لذلك (..) وأمر بحفر الأساس (..) فلم يجسر أحد أن ينطق بكلمة بعدها إلا شيخ واحد كان يصلي بأولئك الباعة في المسجد الذي هناك، وهو الذي كان يجمع الجموع (ويحرضهم)، فرمى نفسه في الأساس وقال “أريد أن أموت اليوم ولا أدع أحد يبني هذه البيعة”. فعلم الملك المعتز فأمر أن ترمى عليه الحجارة ويبنى فوقه، فلما رميت عليه الحجارة أراد أن يقوم فلم يمكنه (جنود المعز). فلما رأى البطرك ذلك تطارح بين يدي المعز وسأله فيه إلى أن أمر بإصعاده من الأساس (..) ولم يجسر أحد بعد هذا أن ينطق بحرف إلى أن كملت عمارة البيعة وكذلك بيعة المعلقة بقصر الشمع وكذلك البيع بالاسكندرية التي كانت قد وهنت]].
[[وكان المعز كلما أراد أن يعمل شيئا كعادته في (المغرب) يمنعه منه جوهر بلطف وسياسة ويقول له “إن أهل مصر قوم فيهم مكر وفطنة لا يخفى عنهم شيء كأنهم يعلمون الغيب”. (فأراد المعز أن يجربهم) فأمر أن يؤخذ ورق كبير مثل السجل ويطوى بلا كتابة ويختم (..) وأمر بضرب البوق قدامه وأن ينادي منادي في الناس أن يحضروا لسماع سجل الملك. وأمر جواسيسه أن يسمعوا ما يقوله أهل مصر، فسمع بعض الناس يقولون لبعض “لا تتعبوا أنفسكم، ما فيه شيء فهو فارغ”. فتعجب الملك جدا لما عرف]].

١٦ـ وفي أيام الأنبا فلتاؤس ٦٣ (٩٧٩ـ١٠٠٣) يقول ساوري أنه عاد لأخذ المال على قسمة الأساقفة (الشرطونية) واتهمه البعض بأنه “يقسم من لا يستحق”..
ويحكي ساوري قصة الواضح ابن الرجا، وهو شاب مسلم دارس للإسلام وكان يحضر مجلس قاضي الحكم، شاهد شخصا كان مسلما وتنصر وقد أعد له الجند الحطب ليحرقوه [[وقد اجتمع عليه جمع كبير من الناس لينظروه. وكان (ابن الرجا) غيورا جدا في دينه (..) فتقدم إلى ذلك الشخص وقال له “يا إنسان ما الذي حملك على هلاك نفسك بسبب دين تكفر فيه بالله تعالى وتشرك به آخر فتستعجل بهذه النار في الدنيا وفي الآخرة نار جهنم لأنك تجعل الله ثالث ثلاثة (الخ الخ). والآن اسمع مني ودع عنك هذا الكفر وعد إلى دينك وأنا أجعلك لي أخا ويكرمك كل أحد”. فقال له “لا تنسبني إلى الكفر (..) إنما نعبد إله واحدا (..) وسر ديننا عجيب مخفي عنكم لأن عقولكم لا تحتمله، وأنت قلبك مظلم (..) لكني أرى بعد قليل النور يدنو منك ويضيء قلبك (..)”. فلما سمع (ابن الرجا) حنق عليه (..) ثم قلع نعله ولطمه على وجهه (..). ثم أنهم ضربوا عنقه وحرقوا جسده]]. ويحكي ساوري بالتفصيل كيف كانت هذه الحادثة بداية تحول ابن الرجا وتعميده بعد تردد كبير، ثم هربه ومعاناته؛ وكيف أصبح صديقا للأنبا ساويرس (ساوري) وألف كتابين بالعربية هما “الواضح”  و “نوادر المفسرين” يرد فيهما على المخالفين من كتبهم..
وطلب ملك الحبشة من البطريرك أن يرسم مطران [[خوفا من أن ينقرض ويبطل دين النصرانية من (الحبشة) لأن هوذا ستة بطاركة قد جلسوا ولم يلتفتوا إلى بلادنا بل هي سائبة بلا راع، وقد مات الأساقفة والكهنة وخربت البيع (..) فأجاب (البطريرك) سؤله ورسم له راهبا من دير أبو مقار وأنفذه لهم مطرانا (..)]].
وعموما يبدو أنه كان القبط يشعرون بسلام في أيام الملك المعز إلى أن مات (٩٧٥) وكذلك أيام ابنه العزيز بالله. وبعد موته (٩٩٦) تولى الحاكم بأمر الله.
وقد توفي ساوري (ساويرس) قبيل سنة ١٠٠٠ وتتابع بعده كتاب السير لاستكمال كتاب “تاريخ البطاركة” على مدى العصور، وإن اختلف الأسلوب.

١٧ـ وفي حياة الأنبا زخاريوس ٦٤ (١٠٠٣ـ١٠٣٢) يقدم كاتب السيرة (ميخائيل، الذي أصبح أسقف تنيس) صورة كئيبة عن [[أفعال بعض الأساقفة الذين كانوا في ذلك الزمان (..) لأنهم قد صاروا مثل الولاة المسلطين على الكهنة وكانوا يختلقون الحجج لجمع المال ويتاجرون في بيع (مناصب الكهنة) (..) ولم يصبر الله فأنزل غضبه على البيع بسببهم (..). وفي أيامهم انقطع التعليم أيضا ولم يردع أحدٌ أحدا (..) وصار الفهيم العالم غير معدود إن كان فقيرا، والجاهل الغير فهيم مكرما (..) إن كان موسرا]]. ويبدو أن البطريرك كان عفيفا لكنه ضعيف [[كان تلاميذه حاكمين عليه وهم الذين يأخذون المال (..)]].
[[أما الملك (الحاكم بأمر الله) فتقلد أمر المملكة (٩٩٦) وهو صبي صغير، ولما كبر تولى (وهو في حوالي السادسة عشرة من عمره) صار محبا لسفك الدماء أكثر من الأسد الضاري، حتى أن جماعة أحصوا من قُتل بأمره فكان عددهم ثمانية عشر ألف إنسان (..)]].
وكانت له مغامرات كثيرة مع القبط: [[(..) ثم أخذ عشرة من الأراخنة والكتاب (القبط) منهم أبو النجاح الكبير فأحضره وقال له أريد أن تتخلى عن دينك (وتدخل) ديني وأجعلك وزيري وتدبر أمور مملكتي، فقال له أمهلني للغد، فمضى (وأحضر أصحابه وأهله وودعهم وأوصاهم وثبتهم ورجع في الغد ليخبره بالبقاء على دينه). فاجتهد الحاكم بكل نوع من الترغيب والترهيب ولم يقدر أن يميله عن مذهبه فأمر أن تنزع ثيابه عنه وأن يشد إلى الهنبازين (آلة تعذيب) فضربوه خمسمائة سوط حتى تقطع لحمه (..) ثم ضرب ثلاثمائة أخرى فقال أنا عطشان (..) فقال الحاكم اسقوه إذا رجع لديننا، فرفض ثم مات، فأمر أن يُضرب إلى تمام الألف سوط وهو ميت]].
[[وآخر يعرف بالريس فهد ابن ابراهيم، وكان (الحاكم) قد قدمه على جميع الكتاب وأصحاب الدواين، فأحضره بين يديه وقال له: أنت تعلم إنني اصطفيتك فاسمع مني وكن معي في ديني فأرفعك أكثر وتكون لي مثل أخ. فلم يجب إلى قوله فأمر بضرب عنقه وأحراق جسده بالنار (..)]]
[[وأما باقي هؤلاء العشرة (الأراخنة) لما طالبهم بترك دينهم لم يفعلوا، فأمر بعذابهم فضُربوا بالسياط، ولما تزايد الضرب عليهم أسلم منهم أربعة والبقية ماتوا تحت العذاب. وأحد هؤلاء الأربعة مات ليومه و(الثلاثة) الباقون عادوا لمذهب النصرانية بعد انقضاء زمن الهيجان]].
ومع كثرة الحكام الهمج الذين تولوا مصر منذ الغزو، فإن الحاكم بأمر الله يتميز أيضا بشخصيته السايكوباتية وقد [[فعل أفعالا لم يسمع بها أحد (..) ولم يثبت على رأي واحد ولا اعتقاد واحد، وكان منظره مثل الأسد وإذا نظر إلى إنسان يرتعد (منه)، وكان صوته جهرا مخوفا. وكان ينظر إلى النجوم والحكمة البرانية وكان يخدم النجم زحل على زعمه ويداوم الطواف في الجبل الشرقي (المقطم) ليلا ومعه ثلاثة من الركابية (..)، وكان يمشي بالليل في الشوارع ويتسمع على الناس في بيوتهم ما يقولوه عنه، وكان له جواسيس كثيرون ومخبرون يرفعون له الأخبار (..). وأمر ألا تخرج أي امرأة من بيتها (..) وألا تؤكل الملوخية (..) وأمر بألا يشرب أحد النبيذ وكسرت الأوعية التي فيها نبيذ في كل مكان. ثم أنه يوما قفز قدامه كلب فجفل الحمار الذي يركبه فأمر بقتل كل كلب في مصر (..)]].
[[وأمر ألا يضرب ناقوس في بلاد مصر، وبعد قليل أمر بأن تقطع الصلبان من على قبب الكنائس وتمحى التي على أيدي الناس. ثم أمر أن يشد النصارى الزنار في أوساطهم ويلبسوا على رؤوسهم عمائم سوداء (..) وأن يحملوا صلبانا طولها شبر، عاد وزادها إلى ذراع ونصف (..) وألا يدخل أحد من أهل الذمة حماما مع المسلمين (..) وجعل على باب حمام النصارى صليب، وعلى باب حمام اليهود قرمة خشب (..) ثم أمر أن تكون صلبان النصارى (التي يحملونها) خشب ووزن كل صليب خمسة أرطال مختومة بخاتم رصاص، يعلقوه في رقابهم بحبال ليف (..) ومن يوجد بغير ختم (يؤخذ) للحبس، فسجن كثيرا من النصارى واليهود، من رؤسائهم لأدناهم، ولم يصبروا على هذا الهوان والعذاب (..)]]
وحدث أن راهبا، كان قد حاول أن يصبح أسقفا لكن طلبه رُفض، ذهب إلى الحاكم يشكي البطريرك [[فأمر أن تغلق كل البيع وأحضر البطرك، وكان قد شاخ وطعن في السن، واعتقله]].
[[وفي ثاني يوم اعتقاله كتب الحاكم إلى والي بيت المقدس سجلا يقول: “خرج أمر الإمامة إليك بهدم قمامة (*) فاجعل سماءها أرضا”]]
(*) “قمامة” هي كنيسة القيامة في القدس. يُطلق عليها ذلك الإسم أحيانا لأنها بنيت على المكان الذي اكتشفت فيه هيلانة (أم قسطنطين) خشبة الصليب تحت تل قمامة. لكنه كان يطلق أيضا كنوع من التحقير.. على أي حال فقد تسبب هدم هذه الكنيسة الشهيرة في إرسال موجة صدمة هائلة عبر أرجاء العالم المسيحي، وكان أحد العوامل الرئيسية وراء حروب الفرنجة (“الصليبية”) التي اندلعت بعدها بعقود. 
[[وبعد أيام أرسل  الحاكم سجلات إلى سائر (ولايات) مملكته بأن تهدم الكنائس وأن يحمل ما فيها من الآنية الذهب والفضة إلى قصره وأن يطالب الأساقفة في كل مكان بالأموال وأن لا يباع شيء للنصارى ولا يشترى منهم في أي موضع من المواضع. فجحد جماعة منهم دينهم (أي أسلموا)، وأكثر النصارى المصريين نزعوا عنهم الغيار والصليب والزنار وتشبهوا بالمسلمين (..)]].
[[وأما أنبا زخاريوس (البطريرك) فبقي معتقلا ثلاثة شهور وهم يخيفونه كل يوم بالحرق والرمي للسباع إن لم يدخل في دين الأسلام ويقولون له إن وافقت نلت مجدا عظيما ويجعلك قاضي القضاة وهو لا يلتفت إليهم (..) (ثم أطلقه الحاكم) وفرح النصارى وأشاروا عليه بأن يسير إلى برية (شيهيت) (..) فسار وأقام تسعة سنوات (..) وكان أكثر الأساقفة مقيمين معه (..) وكان النصارى يدخلون البرية مرتين في السنة، في عيد الغطاس وعيد القيامة (للتناول). وكان على النصارى في هذه التسع سنين ضيق عظيم وطرد وشتم ولعن من المسلمين، ويبصقون في وجوههم (..) وكان إذا جاز نصراني عليهم يشتموه ويقولوا له اكسر هذا الصليب وادخل في الدين الواسع]]. وحوادث أخرى متعددة بنفس الطريقة.
[[ولم يصبر المؤمنون الأخيار على البعد عن الأسرار المقدسة وكانوا يبرطلون (يرشون) الولاة حتى يتركوهم يتقربوا بالليل سرا في الكنائس المهدومة (..)]]
[[(وبعد سنوات) خرج أمر الحاكم (بإباحة البيع والشراء) مع النصارى، وكتب سجلا بأنه من أراد من النصارى أن يمضي إلى بلاد الروم أو الحبشة أو النوبة وغيرها لا يمانعهم أحد (..)]]. ويبدو أن الكثيرين فعلوا، هربا من الاضطهاد.
ثم وقف للحاكم جماعة من النصارى الذين أسلموا طالبين أن يعيدهم إلى دينهم [[فقال لكل منهم أين زنارك وصليبك وغيارك، فأخرجوها من تحت ثيابهم فأمرهم بلبسها وأمر لكل واحد سجلا (..) فعاد كثير ممن أسلم إلى دينهم (*)]].
(*) من سخريات القدر أن الحاكم بأمر الله قد سمح، في إحدى شطحاته الجنونية، بعودة المتحولين للإسلام إلى دينهم، لكن بعدها بعشرة قرون مازالت طوابير “العائدين للمسيحية” تنتظر شطحة من شطحات الحاكمين بأمر الله في الدولة المصرية، لعل وعسى أن يدركوا أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين…

[[وكان من جملة من أسلم راهب اسمه بنيامين عاد إلى دينه وسأل الحاكم أن يمكنه من (إعادة تعمير) دير دير مار مارقوريوس (مصر القديمة) فبناه وسكنه مع إخوة له رهبان. وكان الحاكم يجيء عندهم دفعات كثيرة ويأكل من طعامهم الحقير (..) ثم ذكّره بنيامين بحال أنبا زخاريوس (..) فلما أتاه الحاكم (في زيارة تالية) أخرج له البطرك (الذي كان قد أحضره من برية شيهيت حيث كان مختفيا) فسلم عليه بسلام الملوك وبارك عليه ودعا له، فسأل الحاكم: من هذا؟ (فقيل له) ثم أومأ بأصبعه وسلم عليه. وكان معه جماعة من الأساقفة (وكانوا شيوخا حسني المنظر)، فقال لهم: هذا مقدمكم كلكم؟ قالوا: نعم يا مولانا، الرب يثبت ملكه. فتعجب وقال: إلى أين ينتهي (ملكه)؟ فقالوا: في ديار مصر والحبشة والنوبة والخمس مدن الغربية وغيرها. فازداد تعجبه وقال: كيف يطيعونه كل هؤلاء بلا عساكر ولا مال ينفقه؟ فقالوا: بصليب واحد. فقال: وإيش هو هذا الصليب؟ فقالوا: مثال الذي صلب عليه المسيح (..) فقال بالحقيقة ليس في العالم دين ثابت مثل دين النصارى. هوذا نحن نسفك الدماء وننفق الأموال ونخرج الجيوش وما نُطاع، وهذا الرجل الشيخ الحقير المنظر الذميم الخلقة تطيعه أهل هذه البلاد كلها بكلمة لا غير. ثم قال له وللأساقفة: أقيموا هاهنا حتى أقضي حوائجكم (..) ثم أنه جاء إليهم ومعه سجل عظيم (بعد تسع سنوات من سجله السابق) بفتح الكنائس وعمارتها وأن تعاد إليهم الأخشاب والأعمدة والأراضي والبساتين التي كانت لها (..) وأعفاهم من لبس الغيار وحمل الصليب]].
[[وفي تلك السنة نفسها (١٠٢١) كان الحاكم يطوف بالمقطم في الليل (كعادته) ومعه ركابي فنزل عن دابته وقال له: امض إلى القصر ودعني هنا، فمضى كما أمره، وفي الصبح طلبه أهل القصر في كل موضع فلم يجدوه ولا عرفوا خبره (..). فضبطت أخته (ست الملك) الحكم إلى أن كبر ولده الطفل فأجلسوه ملكا وسموه الظاهر لإعزاز دين الله]]. وقد كثرت قصص المؤرخين حول مصير الحاكم بأمر الله، ولكن معظمهم يقول أن أخته ست الملك هي التي دبرت قتله..
***
وإلى مقال آخر…


6 – الفاطميون ٢

10 أبريل 2009

نستمر في قراءة تاريخ مصر منذ الغزو فالاحتلال العربي، عبر لمحات وشهادات سجلت خلال “عيون قبطية”، بالرجوع إلى مخطوطة “تاريخ البطاركة” التي توفى كاتبها الأول، ساوري (ساويرس) بن المقفع حوالي سنة ١٠٠٠، وتوالي بعده كُتّاب السيرة.

١٨ـ وفي يام الأنبا شنوده الثاني، البطريرك الخامس والستون (١٠٣٢ـ ١٠٤٦م) يقول كاتب السيرة ميخائيل (أسقف تنيس) أن شعب الاسكندرية اشترط عليه ألا يأخذ شرطونية لكنه [[فسخ ما استقر عليه وأحب المال وجمع منه شيئا كثيرا (..). ومنع أهلُ أسيوط أسقفَهم من الدخول إليهم ثلاث سنين (لأنه دفع مقابل رسامته)]]. ويعطي كاتب السيرة بعض العذر فيوضح: [[كان بطاركة القبط وآباؤهم عاملين بوصية (المسيح حول مجانية الموهبة) إلى زمان الضغط من ولاة أمور المسلمين من أحمد بن طولون إلى أيام الحاكم وغير ذلك مما يطول شرحه، ودعتهم الضرورات إلى ما فعلوه لأجل ما طلب منهم من المال وما كلفوه من الأثقال]].
[[وفي هذه الأيام ملأ الملك الظاهر ووزيره الجرجائي السجون من الناس، رجالا ونساء، حتى أن النساء ولدن في السجن]].
١٩ـ في أيام الأنبا خرستودولوس، البطريرك ٦٦ (١٠٤٦ـ١٠٧٧) يقول كاتب السيرة، الشماس موهوب ابن منصور ابن مفرج الاسكندراني، أنه وضع الكثير من القوانين والقواعد لتنظيم الحياة الكنسية. ويذكر أنه كان في بداية عهده حوالي سبعمائة راهب في برية شيهيت (وادي النطرون).
[[وكان من أولاد النصارى بمصر صبي (عمره ٢٢ سنة) يعرف بفام ابن بقورة قد غيّر دينه (..) ثم عاد (لنصرانيته) ونوى على دخول دير أبو مقار (فأراد أن يعترف أولا بالمسيح الذي سبق وأنكره)، فشد زنّاره (دليلا على نصرانيته) وخرج يمشي في أسواق مصر (الفسطاط). وكان أبوه بقورة الصواف (يعمل لدى) “عدة الدولة رفق”، وهو زمام الأتراك ومتولي القصر وقريب من الملك (المستنصر بالله). فلما رأى المسلمون زنّاره في وسطه بعد إسلامه، أخذوه واجتمعوا عليه ومضوا به إلى الشرطه فاعتقله الوالي وضيق عليه. فمضى أبوه إلى صاحبه عدة الدولة ووعده بكثير من المال على أن يُخلٍّص (ابنه). فقال له ما أقدر أفعل شيئا في هذا إلا أن يرضى ولدك بأن يظهر أنه مجنون، وأٌرسل أنا الشهود إلى الحبس ينظروه ويسمعوا كلامه وأخلّصه وهو نصراني (..) فلما دخل إليه الشهود كلمهم كلام العقلاء واعترف بأنه نصراني مسيحي (..) فمضى الوالي (بالشهود) إلى الوزير (..) فأمر بقتل فام، فنزل (حاجب) السلطان مع الوالي إلى الشرطه وخاطبوه ولطفوا به وأعلموه أنهم قد أُمروا بقتله فلم يرجع (..) فأخرجوه من سجن الشرطة وتبعه خلق كثير من المصريين والعسكر وغيرهم وبأيديهم العصي وآلات التعذيب (..) إلى رأس الجسر فنزل الوالي هناك عن بغلته، وكان عليها سرجٌ ولجامٌ بحلية ثقيلة، وخلع سيفه الجليّ وجعله على السرج وقال له: خذ هذه البغلة وما عليها، وأنا أثبّت اسمك في ديوان السلطان وأجعل لك (راتبا) تقبضه في كل سنة وارجع عن هذا الرأي. فقال له: لو دفعت لي ملك مصر ما التفت إليه فلطمه (..) (وجرد السياف سيفه) فبرك على الأرض وحوّل وجهَه إلى الشرق وصلّب على جبينه ومد عنقه، فلكزه السياف ليميل وجهه إلى القبلة فلم يفعل، والتمس ماء فلم يسقى. وضربت عنقه (..)]].
وفي ما يدل على استشراء عقلية “العنف الرمزي”، أي اقتناع الضحية برأي جلادها فيها (كما يقول عالم الاجتماع بورديو)، إضافة إلى فكرة اعتبار النوائب التي تلم بالناس عقابا سمائيا، يلوم كاتب السيرة الأقباط علي ما سيرصده مما حدث لهم قائلا [[ولما صار جميع مقدمي المملكة والنظار في دواوينها وتدبير كل أمورها نصارى وهم النافذ أمرهم، طنخوا وعتوا وبذخوا، هم وجميع النصارى بديار مصر، وتكبّروا وعزّت نفوسهم ووقع بينهم وبين مقدميهم البغضة والحسد، وصار أكثر اهتمامهم بالأمور الدنيوية والتجمل والتفاخر والكبرياء بعضهم على بعض، فنزل الأدب من السماء من عند السيد المسيح على جميع النصارى (مثل) غيرهم من الأمم لينتقم منهم عن جميع ذنوبهم في هذه الدنيا ويخلصهم في الآخرة (..)]]
[[فأول ما جرى على الأب البطرك أن (شخصا) كتب فيه رقعة للوزير اليازوري (يتهمه بأنه) يمنع ملك النوبة من إرسال الهدية (إليه) (..) فأرسل وقبض عليه وسار به إلى القاهرة (..) فمضى ومعه أبو البشر طبيب العظمية (القبطي) إلى الوزير و(أثبتا له) أنه لا صحة لما حكي عنه، فأفرج عنه وعاد إلى دمرو (مقر البطريرك في ذلك الوقت)]].
[[وكان من جملة الشهود العدول بمصر رجل مقدم فيهم يعرف بالقاضي أبو الحسن عبد الوهاب السيرافي، وكان قد عزل من خدمة كان يتولاها بمصر واستُخدم قاضيا بالإسكندية وعُزل منها واسُتخدم في عدة (وظائف) بالريف، وكان يبغض النصارى فمضى إلى دمرو فلم يوفيه البطرك (ما طلبه) فكتب إلى الوزير اليازوري وقال له (..) أن هذه دمرو هي القسطنطينية الثانية وفيها سبع عشرة بيعة أكثرها مستجد (..) وقد عمّر البطرك موضعا لسكناه ونقش على بابه الكفر وأهان الإسلام وأهله (..) فكتب إليه الوزير بأن يكشف عما تضمنه كتابه بالشهود العدول، فركب مع جماعة من الشهود المستخدمين وجاء إلى منزل البطرك فوجد منقوشا على الباب “باسم الآب والابن والروح القدس” فكشطه، فقال له البطرك: إذا كشطته من على الباب هل تقدر أن تكشطه من قلبي؟ وبعد هذا أمر الوزير اليازوري أن تغلق البيع في جميع كورة مصر، وكان المساعد على هذا عنده رجل يعرف بأبي الفرج البابلي من مقدمي الدولة أصحاب الدواوين، وكان ناصر الدولة ابن حمدان والي مقاطعتي الشرقية والغربية بالريف (الدلتا) فأغلق البيع وأخذ البطرك والأساقفة فطالبهم بالمال وقرر عليهم سبعين ألف دينار (*)، فنال النصارى من ذلك ومن غلق كنائسهم ضيق وصعوبة شديدة]].
(*) أي ما يعادل سبعين مليون جنيه بأموال هذه الأيام…
ويبدو أن والى اسكندرية الأمير المؤيد حصن الدولة أبو تراب الكاني قد تعاطف مع النصارى، إذ كان يوحنا ابن صاعد، المعروف بابن القلزمي، كاتب هذا الجزء من السيرة، شريك تجارة معه، فساعد في التفاوض حول المبلغ المفروض على نصارى الإسكندرية ليصل إلى ألفي دينار [[فشكرناه ودعونا له. ثم شكونا حالنا في غلق البيع فدفع لنا مفتاح كنيسة ماري جرجس التي كانت قديما بيت إنيانوس (الإسكافي) أول البطاركة بعد مرقس الرسول، وقال لنا “صلوا فيها سرا وادعوا لي” ففعلنا (..) ثم حملنا إليه (الأتاوة، بعد جمعها). وبعدأيام أحضرنا وصديق له (قبطي) كان يخدمه أيضا في بضائع تصله من الشام وسألنا: كم (كان نصيبنا ضمن المبلغ المدفوع) فقلنا مائتي دينار، فدفع لنا مائتي دينار وقال هذه أخذتها لكم من نصارى رشيد وإتكو (إدكو) فخذوها عوضا عما دفعتم، فدعونا له وشكرناه وقلنا له: يا مولاي لا يجوز لنا هذا لأن (الأتاوة قد تم جمعها من) المستور والأرملة فكيف نستعيد نحن ما قمنا به؟ فقال: هذه الدنانير لكم افعوا بها ما تريدون. فشكرناه وابتعنا بها ثيابا وقمح وفرقناه على الضعفاء من النصارى]].
[[وكان غلق الكنائس في زمان الوزير اليازوري في يوم الجمعة الخامس من بؤونة (سنة ٧٧٦ للشهداء١٠٥٨م) وقُبض على الأب (البطريرك) والأساقفة وطولبوا بالمال وعوقب ثلاثة أساقفة منهم (أسقف مصيل، بالبحيرة وسمنود والخندق) وماتوا. وكذلك كان حال إخوتنا السريان بمدينة أنطاكية (..) وكثر تنهدهم وبكاؤهم]].
[[ثم بعد ذلك خرج إنسان يعرف بابن القائد الرحيم (..) له الجباية (الجزية وغيرها) في الريف (الدلتا) وكان رجل سوء كثير الشر جدا مبغضا للنصارى، فأصابهم منه هوان عظيم وصعوبة (..)]]
[[ثم قامت حرب بين بني حمدان والأتراك المتسلطين بمصر ضد ناصر الدولة الحمداني (..) فأظهر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله سخطه على بني حمدان ومن معهم. وكان بالقاهرة ومصر (الفسطاط) منهم طائفة الأكراد وتقديرهم خمسة آلاف رجل (فطاردهم) (..) ووصل ناصر الدولة ومن معه إلى اسكندرية منهزمين، وحالف قيس واللواتيين (*)، وخرجت العسكر من مصر في طلبه (..) فقوي عليهم بنو حمدان والذين معهم وهزموهم وملكوا بلاد الريف (الدلتا) كلها الشرقية والغربية ونهبوها وخربوها وقتلوا أهلها وهتكوا الحرم وذبحوا الأولاد على بطون أمهاتهم ونهبوا البيع وخربرها وكشطوا الأيقونات التي بقيت فيها. وأخذ اللواتيون الأب البطرك من داره ونهبوها (..) وبعد هذا صعبت الأمور وملك اللواتيون البلاد (..)]]
(*) قبائل عربان بدوية انتشرت في الصحراء الغربية المصرية، وهاجموا الأراضي الزراعية والقرى خاصة في غرب الدلتا وأشاعوا الفساد والنهب والسلب والقتل (ج٣ ص ٩٥٨).
[[ثم تزايد الغلاء والخوف وانعدام القمح إلى أن أكل الناس الميتة وفني الناس بالوباء والغلاء والسيف (*) حتى لم يتبقي منهم إلا اليسير (..)]].
(*) هذه هي الشدة “المستنصرية”، كما أطلق عليها المؤرخون، التي حلت بمصر وقتها.
[[وملك اللواتيون جميع (الدلتا) وساروا في أربعين ألف فارس سوى أتباعهم، وصارت بلاد مصر بحكمهم يزرعون كما يريدون (..) وامتدت يدهم إلى الديارات (الأديرة) بوادي هبيب (النطرون) فنهبوها وخربوها وقتلوا رهبانها، وهرب من بقي. ونال الشعبَ حزنٌ عظيم مما نالهم من الشدة العظيمة في أيام ابن حمدان وأصحابه (..) وتسلط اللواتيون على الريف فملكوه ولم يقدر أحد أن يزرع فيه غيرهم (..) إلى أن عدمت أرض مصر ولم يجد الناس (القمح) وأكلوا البغال والحمير الميتة (..) ولم يزل الناس في هذا البلاء إلى أن أهلك الله ابن حمدان وأصحابه فقتل في منازل الغز (الأتراك) بمصر بيد بلدكور صهره ومن معه من (المماليك) البحرية وذلك في سنة ٤٦٥ هلالية. وبعد قتله بسنة وصل أمير الجيوش وفرّج الله عن الناس (..)]].
[[وكان أمير الجيوش عند مسيره إلى الصعيد ليفتحه قد سعى إليه رجل اسمه علي القفطي وقال له أن مطران النوبة، من قبل البطرك، واسمه بقطر، قد هدم مسجدا في بلاد النوبة (..) فأنفذ من الصعيد كتابا لولده (بالقاهرة) يأمره فيه بأن يقبض على البطرك فقبض عليه واعتقله إلى أن وصل رسول كان أمير الجيوش قد أرسله إلى ملك النوبة فعرّفه ضد ما حكاه القفطي. فلما عاد للقاهرة أحضر البطرك إلى مجلسه (..) والمذكور القفطي فاعترف بكذبه. فأحضر القضاة والشهود والفقهاء وقال لهم: ماذا يجب أن يفعل بهذا القفطي الكذوب الذي (أحدث فتنة) بين ملكين؟ فأفتوا بقتله. فقال أمير الجيوش للبطرك فما تقول أنت؟ فقال: ما عندنا في مذهبنا قتل ولا مجازاة على الشر بشر وأنت السلطان والأمر لك. فأمر بقتله]].
ثم أرسل البطريرك أحد الأساقفة رسولا منه بخطاب إلى ملك النوبة بصحبة سيف الدولة، وهو رسول من قبل أمير الجيوش، [[في طلب أمير يعرف بكنز الدولة كان قد (أعلن العصيان) في الصعيد الأعلى وأفسد فيه ونهبه وملكه قبل وصول أمير الجيوش لمصر، (ثم) هرب إلى النوبة (..) فسلم ملك النوبة لهم (كنز الدولة) ووصلوا به لمصر فقتله أمير الجيوش وصلبه عند باب الحديد (..) وزاد أمير الجيوش في إكرام البطرك ومراعاته وعاد الرخاء في أيامه واستقامت الطرقات واتصل وصول القوافل إلى مصر من المشرق والمغرب]].
٢٠ـ وفي أيام الأنبا كيرلس ٦٧ (١٠٨٧ـ١٠٩٢) يقول كاتب السيرة، أبو البركات ابن زوين، أن البطريرك ذهب لقصر الخليفة المستنصر لزيارته [[فخرج إليه مأمون الدولة عنبر الحراني، الأستاذ؛ وقال له أمير المؤمنين يرد عليك السلام فركع إلى قرب الأرض ثم دخل به إلى مولانا وعنده أمه وأخته (..) وقالوا بارِك علينا فبارك عليهم ودعا لهم وأمر بطرس أسقف دقميره أن يقرأ الدعاء (..) وخرج إلى دار أمير الجيوش فلقي منه أجمل ملقى فدعا له كثيرا]].
وقد قطع البطريرك الشرطونية تماما، لكن بعض أساقفة بحري وأراخنة (*) مصر (الفسطاط) طلبوا منه عزل بعض من يحيطون به لأنهم [[يفسدون أحوال الشعب ولا يصلح لمثل هؤلاء أن يصحبوك لأنهم يشينوك]] وجرى لهم معه خطوب بهذا الشأن (..) فرفعوا رقاعا (شكاوى) إلى أمير الجيوش عن طريق بنيامين الخولي، بستاني السلطان [[فأرسل يأمره (بالمجيء) ومعه جميع أساقفته. فذهب معه إلى بستانه الكبير بظاهر القاهرة سبعة وأربعون أسقفا منهم ٢٢ من بحري و٢٢ من الصعيد وأساقفة مصر والجيزة والخندق (..) يوم ٢٣ مسرى سنة ٨٠٢ للشهداء (١٠٨٤م) فخاطبهم بكلام شديد أنطقه الله به وأمرهم أن ينظموا له مجموع قوانين (الكنيسة والأديرة) ويعرضوه عليه (..). ثم أمر الأجل أمير الجيوش بإحضار البطرك وجماعة الأساقفة (..) وقال لهم: “كونوا كلكم شرعا واحدا ولا تختلفوا وأطيعوا مقدمكم (رئيسكم) وكونوا مثله ولا تكنزوا فضة ولا ذهبا وصدقوا بكل ما يحصل لكم كما أوصاكم المسيح، وهذه القوانين التي عملتوها ما أحتاج إليها وإنما طلبتها منكم ليتجدد عندكم عملها” (..)، وكان يخاطبهم إلهاما من الله تعالى لأن الله كان ينطقه بحكم أنه ملك كما قال سليمان الحكيم (..) فخرجوا من عنده مسرورين (..)]].
(*) أراخنة = أعيان أو كبار أو قادة القوم. وهي جمع “أرخن” من “أرشي” باليونانية التي تعني رأس.
[[ومن بعد هذا كتب راهب يسمى فرج (خطابا) إلى أمير الجيوش (يتهم) الأساقفة أن ما منهم إلا ومن عنده وديعة لواحد من المنافقين (*) فأمر بالشد منه وعلى يده لإحضار الأساقفة (..) واستقر عليهم (غرامة) أربعة آلاف دينار (مناصفة بين الدلتا والصعيد) (..). (ودفعوا أجمعين الأتاوة) بعد أن نالتهم صعوبة عظيمة (..) وكتب أمير الجيوش منشورا لفرج الراهب وجعل له على كل واحد من أساقفة بحري في كل سنة خمسة دنانير (..)]].
(*) يبدو من هذه الحادثة أن “المعارضين” للحكام كانوا أحيانا يودعون لدى الأساقفة بعض ثرواتهم كأمانة لتخبئتها إلى حين…
[[وكان الأنبا كيرلس قد كتب القوانين وأرسلها إلى الصعيد وقرئت في الكنائس بمصر وسائر الأعمال، فلم يقبلها أهل الصعيد فقال له (مساعدوه): أنت قد أنذرتهم (فدعهم لحالهم)]].
[[وفي (١٠٨٦م) كُتِب سجلٌ وقُرئ في الإيوان الكبير بالقصر بأن تشد جميع النصارى زنانير سود، وكذلك اليهود وتكون أطرافُها صفراء ليتميزوا عن النصارى (*) وأن تكمل (تزاد) الجزية على الجميع دينارا وثلث وربع دينار (أي حولي دينار و ستة أعشار)]].
(*) عاد التضييق على القبط لسبب غير معلوم. لاحظ أنه كان على المرأة القبطية لبس خفين مختلفي اللون (عادة أحدهما أبيض والآخر أسود) للتمييز عن المسلمة. لاحظ أيضا أن العلامة الصفراء التي أجبر اليهود على ارتدائها تشبه ما فعله هتلر معهم فيما بعد…
[[وكان أمير الجيوش في حرب (لصد هجوم الأتراك) الغز الذين ملكوا الشرقية وذهب بعضهم إلى المحلة (الكبرى) ونهبوها وقتلوا أكثر أهلها وملكوا الغربية حتى (قرب طنطا) (..). وعاد أمير الجيوش إلى القاهرة منتصرا وكان معظم عسكره أرمن]].
وفي العام التالي [[وصل من القسطنطينية إلى اسكندرية بطرك الأرمن (*) ونزل في كنيسة مرتامريم التي للملكية (أتباع مذهب بيزنطة) بجانب كنيسة أبو قزمان التي لليعاقبة (..) بين القاهرة ومصر (..) ثم اجتمع بالأنبا كيرلس واعترف له بالإيمان الأرثوذكسي الصحيح الذي هو إيماننا معشر اليعاقبة (..) واشتهر عند جميع الناس صحة اجتماع القبط والأرمن والسريان والحبشة والنوبة على الإيمان الصحيح الذي اتفق عليه الآباء القديسون الفضلاء وخالفها نسطور ولاون ومجمع خلقدونية]].
(*) بسبب أعداد الأرمن الكبيرة في جيش أمير الجيوش بدر الجمالي (الأرمني الأصل).
[[ثم وصل أخو مطران الحبشة بهدية لم يحسن موقعها عند أمير الجيوش ولا أعجبته (..) فاستدعى البطرك فحضر ومعه عشرة أساقفة (..) فقال لهم: أنت جعلتم أخا هذا مطرانا للحبشة ولنا عنده مال، وكان قد (تعهد) أن يبني مساجد في بلاد الحبشة وأن يحمل الهدايا، وأشياء كثيرة، فما فعل (..) وقال: يجب أن ترسلوا أسقفين حتى تبنى المساجد في بلاد الحبشة وتقام الدعوة (..) وقد صار (الأحباش) يقطعون على المسلمين التجار وغيرهم الطريق، (فيجب أن) يمنعهم البطرك من ذلك وإلا فأنا أعرف ما أفعله. فقال الأب البطرك: يا مولاي إيش لي أنا في قطع الطريق، أنا لست خفيرا. فأمر أن يطرد هو والأساقفة من مجلسه وأن يُحبس أخو المطران (..) وكتب على الأساقفة دينارين كل يوم (على كل واحد، حتي ينفذوا أوامره) (..) فكتبوا الكتب وقرروا إرسال أسقفي الجيزة وسنجار بها (..). وكان قد نال بني المعمودية (القبط) خوف عظيم لشدة هيبة أمير الجيوش وما جرى منه إلى أن لطف الله سبحانه بوصول هدية حسنة من عند باسيل ملك النوبة (..) فاستدعى أمير الجيوش البطرك والعشرة أساقفة فأمرهم بالجلوس وأكرمهم (..) وقال لأخي مطران الحبشة: كان أخوك قد شرط لنا على نفسه أن يبني في بلاد الحبشة أربعة مساجد وما فعل. فقال له: يا مولاي، قد بنى (المطران) في المواضع التي استطاع البناء فيها سبعة مساجد، وأمرُها مشهورٌ (لكن) الأحباش هدموها وأرادوا أن يقتلوه، والملك لما بلغه هذا قبض على المطران واعتقله (..). ثم قال (أمير الجيوش) للبطرك والأساقفة: إيش فعلتم؟ فقالوا: قد كتبنا (الرسائل) بالقبطي والعربي، فاأمر من شئت يقرأها ويفسرها (يترجمها) بين يديك (..). وخرج الأساقفة من بين يديه مسرورين شاكرين لله تعالى (..). وكتب أمير الجيوش إلى ملك الحبشة يقول له “إن لم تفعل كذا وكذا وإلا هدمت البيع (الكنائس) التي بأرض مصر”. فرد عليه (الملك) يقول: “إذا هدمت من البيع حجرا واحدا حملتُ إليك طوب مكة وحجارتها جميعها وأوصلته إليك كله، وإذا ضاع منه طوبة واحدة أرسلت إليك وزنها ذهبا”]].
لاحظ درجة ابتزاز الكنيسة القبطية وكيف أصبح من مهامها نشر دعوة الإسلام وبناء المساجد في الحبشة والنوبة.. عموما يبدو أن رد ملك الحبشة قد جمد الوضع إلى حين..
[[(..) وأمر أمير الجيوش بألا يسكن في الحسينية التي بظاهر القاهرة إلا الأرمن فقط (..) ومضى جماعة من الأرمن برقعة قالوا فيها ليس لنا بيعة نصلي فيها وفي دير الخندق عدة كنائس لأصحابنا اليعاقبة (القبط) وهي مغلقة لا يحتاجون لها (..) فأرسل أمير الجيوش ووجده حقا كما قالوا فأمر الأسقف أن يدفعها هم ليعمروها ويصلوا فيها فأخذوها (..)]].
يوحي ما سبق بتناقص عدد الأقباط نتيجة للتحول الخ. لكنهم ظلوا الأغلبية، فمثلا يقول العلامة الأندلسي أبو السلط، الذي زار مصر أيام وزارة الأفضل، ابن بدر الجمالي، في خلافة الآمر بأحكام الله (انظر الفقرات التالية): “سكان مصر أخلاط من الناس، مختلفو الأصناف والأجناس من قبط وروم وعرب وأكراد وديلم وحبشان وغير ذلك، إلا أن جمهورهم (غالبيتهم) قبط” (المقريزي ـ الخطط ص ٤٧)
***وإلى مقال آخر…

7 – اضمحلال دولة الفاطميين

10 أبريل 2009
بدأت الدولة الفاطمية في دخول طور الضعف والاضمحلال. ونتابع ما يقوله كُتّاب السيرة في “تاريخ البطاركة”، الذين أصبحوا يعطون للأحداث العامة في البلاد اهتماما أكبر من الأحداث الكنسية الداخلية..
٢١ ـ وفي أيام الأنبا ميخائيل ٦٨ (١٠٩٢ـ١١٠٢) يذكر يوحنا ابن صاعد القلزمي، ناسخ السيرة، أن خلافات قد دبت بين البطريرك وبين عدد من الأساقفة والأراخنة.
 وفي السنة الثانية من جلوسه توفي الأجلّ أمير الجيوش وتولى ولده الأفضل الوزارة أيام المستنصر بالله.
[[وفي تلك الأيام وصلت عساكر الروم والفرنج من رومية ومن بلاد افرنجية (*) إلى الشام في خلق كثير وملكوا أنطاكية وما يليها وأكثر الشام الفوقاني وكان يومئذ بأيدي الغز الخرسانيين، ولم يبق منه بأيدي الغز إلا دمشق وما يليها. ثم ملكوا القدس الشريف (يونيو ١٠٩٩)، وصرنا معشر النصارى اليعاقبة القبط لا نستطيع الحج إليها ولا نتمكن من الدنو منها لأجل ما هو من بغضهم لنا واعتقادهم فينا وتكفيرهم إيانا. وملكوا بعد ذلك جميع الحصون الشامية ما خلا صور وعسقلان الباقية في أيدي ولاة السيد الأفضل (..) وقد خرج إليهم وجاهد وبالغ وأنفق المال لكن لم تندفع أحكام الله وهو جل اسمه يكفينا ويرحمنا برحمته]].
(*) بداية حروب الفرنجة التي أطلق عليها مؤرخوا الغرب، في نهاية القرن السابع عشر، حروب “المتصلبين” أو “حاملي علامة الصليب” (crussade, croisade) وهو ما ترجم بالحروب “الصليبية”.
٢٢ـ وتولى الأنبا مقار ٦٩ (١١٠٢ـ١١٢٨) في أيام مملكة الآمر بأحكام الله ووزارة الأفضل ثم بعد موته المأمون.
[[(..) ووصل (البطريرك ومرافقوه) دار السيد الأجل الأفضل فلما دخلوا إليه دعا له دعاء كثيرا، فرآه وديعا عفيفا حسن الوجه جيد الكلام ورزقه الله منه حظا وقبولا فأجلسه وأكرمه (..) وأمر أن يكتب له منشور إلى والي الاسكندرية وغيره من الولاة الذين يعبر عليهم في طريقه، وأعفاه من طلب الرسم (المقرر على البطاركة الجدد) وكان تكريزه في كنيسة ماري مرقس (..) بعد أن جرى له مع الاسكندرانيين خطوب كثيرة بسبب الرسم المستقر لهم على من يجلس في البطريركية (..) وقال لهم “أنا رجل راهب ليس لدي شيء ولا أكتب (تعهدا) بشيء ومهما قدرت عليه دفعته لكم في كل سنة؛ فإن رضيتم بهذا وإلا اتركوني أرجع إلى (الدير) حيث كنت فهو أصلح لي وأحب إليّ مما دعوتموني إليه (..) ولم يزل الخطاب يتردد بينهم عدة أيام حتى كتب (تعهدا) بمائتي دينار في كل سنة (..)]].
وطبقا لهوامش “تاريخ البطاركة” بقلم المحقق فإن تاريخ ابن الراهب قد ذكر أن الوزير الأفضل قد أمر في تلك السنة بهدم كنيسة القديس ميخائيل بجزيرة الروضة لأنها كانت وسط بستان اشتراه. كما أن مؤرخ “سير البيعة المقدسة” ذكر أن المدعو أبو اليمن بن عبد المسيح، متولي ديوان، قد جدد كنيسة “أبي قدامة” بالفسطاط، وكانت قد آلت للسقوط، بغير توقيع السلطان. فلما عرف الوزير الأفضل، غضب وركب في جيشه ومعه القاضي والشهود إلى الكنيسة وحضر شيوخ مسلمين وشهدوا بذلك فهدم الكنيسة وسواها بالأرض وأقام مكانها مسجدا للمسلمين.
[[وفي أبيب سنة ٨٣٤ للشهداء (١١١٧م) وصل بردويل (بالدوين) مقدم الفرنج في عسكر عظيم إلى الفرما فنهبها وأحرقها ونوى الهجوم على مصر بغتة فمرض (..) ومات في العريش (..) وكان السيد الأجل الأفضل قد جرد إليهم عسكر عظيم. فلما مات بردويل تبعهم العسكر إلى الشام وعاد. وقد كفانا الله أمرهم نسأله جل اسمه دوام رحمته (..)]].
وفي نهاية رمضان ٥١٥ هلالية قُتل الأجل الأفضل (على يد عبد الله البطايحي، بإيعاز من الخليفة الآمر بأحكام الله، وتولى الوزارة مكافأة له) [[فلما بلغ الخبر مولانا الآمر بأحكام الله نزل من ساعته إلى دار الملك (مسكن الوزير الأفضل) واحتاط على جميع ما فيها من الأموال (..) وفي اليوم الثالث أخرج تابوته والناس يمشون حوله حفاة (حزنا) وخرج مولانا الآمر خلد الله ملكه خلفه بثياب غسيل وعمامة حمدانية حتى وصل إلى تربة والده بظاهر القاهرة خارج باب النصر فصلى عليه ودفنه فيها. وعاد مولانا إلى دار (الأجل) بمصر وأقام فيها سبعة عشر يوما حتى حمل جميع ما فيها من الأموال والجواهر والذهب والفضة والملابس والفرش والأثاث والآلات إلى (قصره). ويقال أن المال الذي وجد عينا في الأكياس أربعة ألف ألف دينار (..)]].
الخليفة يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته ويستولي على إرثه؟!..
٢٣ـ وفي أيام الأنبا غبريال ابن تريك ٧٠ (١١٣١ـ١١٤٥) وكان من نسل شريف من أعيان الكتاب وكان مجتهدا في قراءة الكتب وتفسير معانيها وهو ناسخ جيد قبطي وعربي:
[[جرى بين العبيد السودان (السود) وبين الأجناد (المرتزقة من الترك وغيرهم) حرب عظيمة في موضع يسمى كوم الدرب قبلي مصر في بلاد أطفيح وقتل من السودان خلق كثير (..) وقبض الأمير حسن (ابن الخليفة) على الأب البطرك وصادره وسجنه في خزانة إلى أن (جمع) له الكتّاب وساعده التجار (القبط) من أموالهم حتى حمل له ألف دينار وخلصه الله من يديه (..). وثار على (الأمير) جماعةٌ من أجناد دولته فمضوا إلى والي الغربية وكان رجلا نصرانيا أرمنيا يسمى بهرام ويُنعت تاج الدولة ـ وكان أرمنيا من جنس ملوكهم، وصل مع أمير الجيوش بدر الجمالي عند مجيئه من عكا أيام المستنصر واستمر في خدمة الدولة فقدمه وولاه الولايات وهو باق على دينه (..) ـ فمضى إليه الأجناد وسألوه أن يكون وزيرا وسلطانا، ودخل القاهرة (..) وهرب الأمير حسن واختفى، وعاد (الخليفة الحافظ) إلى ما كان عليه (*) واستوزر بهرام وهو نصراني (..)]].
(*) كان الخليفة الآمر قد سجن البطايحي بعد استوزاره بأربع سنوات، ولم يستوزر بعده أحدا، بل تولى بنفسه الحكم “التنفيذي” مباشرة، حتى تعيين بهرام.
[[واستمر تاج الدولة بهرام في الوزارة (حوالي سنتين) فكثر كلام المسلمين فيه لأجل مذهبه وحسدوه لأجل محبة الخليفة له وكونه قد علت كلمته عليهم، وكان للنصارى في أيام دولته نفاذ الكلمة وعزة النفس وكل تصرف جليل من الدواوين الكبار التي للخليفة والوزرات في أيديهم وكان منهم النظار والمشرفين في جميع أرض مصر (..). فلما ضعفت كلمة المسلمين وعزت كلمة (النصارى) ألجأتهم الحيلة لقطع هذا المرض من أصله و(التخلص) منهم بزوال الوزارة عن تاج الدولة بهرام. فتعصب منهم جماعة أمراء وأجناد وأخلاط الناس واستصرخوا برضوان بن الوخشي والي الغربية وقالوا له: (..) ما للمسلمين من ينقذهم من إهانة الأرمن سواك، فإن قويوا أكثر من ذلك تنصر كثير من المسلمين. واستنهضوه فنهض معهم وحشد العربان ومقطعين البلاد ونادي “يا مجاهدين في الكفار” وعلق مصاحف القرآن على أسنة الرماح قدام العسكر وسار وقد اجتمع له من المسلمين جيش عرمرم لا يحصى عدده من كثرته، واستعلى بكلمة الإسلام (..) فلما تواصلت أخباره لبهرام أراد حقن دماء الناس وقال لأصحابه: لا (أريد أن) يطالبني الله بدم من قتل منكم ومنهم، ومملكة هذه الديار قد جعلها الله للمسلمين فما يجوز ولا يحل لي من الله أن أقاتل القوم على مملكتهم وأنتزع حقهم منهم. ولو لم يستعن بي الخليفة على ما جرى عليه من ولده ورضي بما فعلته في خدمته وطاعته ما ابتدعت شيئا من نفسي. قوموا خذوا ما قدرتم عليه من أموالكم وأولادكم وامضوا بنا إلى قوص ـ حيث أخوه باساك الوالى ـ ثم نمضي لبلادنا ونترك للقوم مملكتهم فما لنا حاجة بقتالهم (فرفض جنود الأرمن) فلم يوافقهم وسار من وقته إلى قوص (..) فوجد أن خبر ابن الوخشي قد سبقه وأن أهل قوص قد قتلوا أخاه ودفنوه في الزبل في إصطبل دوابه بدار الولاية (..) فمضى إلى الدير الأبيض (غرب سوهاج) وأقام (..)]].
لاحظ: ١) الفرق بين موقف بهرام وموقف ابن الوخشي وأمثاله…. ؛ ٢) كان بهرام أول “رئيس وزراء” غير مسلم منذ الغزو العربي، وهو أمر يُحسب للخلافة الفاطمية بدون شك؛ ٣) ولكن بهرام كان أرمنيا – إذ لم يتم استوزار قبطي من أهل البلاد الأصليين حين كانوا أغلبية أو بعد أن أصبحوا أقلية، وذلك حتى نهاية ق١٩.
[[وأما ابن الوخشي فدخل القاهرة وأخلع الخليفة عليه الوزارة ونهب كنائس القاهرة والخندق، وحرق المسلمون دير الأرمن المعروف بالزهري وقتلوا بطركهم وكل الرهبان. وأمر ابن الوخشي ألا يستخدم النصارى في الدواوين الكبار ولا نظار ولا مشرفين وأن يشدوا زنانيرهم في أوساطهم ولا يركبوا الخيل وضاعف عليهم وعلى اليهود الجزية وجعلها ثلاث طبقات (..)]].
[[واستمر ابن الوخشي في الوزارة إلى أن قام عليه الأجناد وأمراء الدولة فخرج هاربا (..) ونزل عند (قبائل بدوية في شرق القاهرة) ومضوا به للشام (..). ثم أرسل مولانا الخليفة الحافظ إلى بهرام ليعود لوزارته فلم يقبل (..)]].
[[وأرسل ملك الحبشة للبطرك ولملك مصر يطلب أن يكرز له أساقفة (عددا أكثر مما جرت العادة عليه)، فخرج أمر الخليفة للبطرك بإجابته فاعتذر عن ذلك وقال: يا مولاي إذا صارت الأساقفة عند الحبش أكثر من هذا العدد تجاسروا على قسمة مطران لهم (وخرجوا عن) طاعة بطاركة مصر (..) ويخرجهم ذلك إلى عداوة ومحاربة ما هو متاخم لبلادهم من المسلمين فيختل النظام وتكثر الحروب (..)]].
٢٣ـ في أيام الأنبا يوحنا ٧٢ (١١٤٧ـ١١٦٦) الذي جلس في مملكة الحافظ (ت ١١٤٩)، كان كاتب السيرة هو مرقس ابن زرعة (الذي صار البطريرك ٧٣):
[[وفي أيام الظافر وزّر له نجم الدين ابن مصال، الذي (ثار) عليه ابن سلار والي ثغر الاسكندرية وغلبه وقتله ومعه خلق كثير من (السود) وأُخذت رأسه وطيف بها القاهرة على رمح، وتولى الوزارة بعده. وأمر النصارى بالقاهرة ومصر (الفسطاط) أن يشدوا الزنار ويقلعوا طيالسهم (..) وكان السبب قوم فقهاء من المبغضين للنصارى (..). واستمر في الوزارة حتى دخل عليه (حاجبه؟) نصر بن عباس فقتله وأخذ رأسه وأشهرها بين القصرين، وكان عباس (أبو نصر) والي الشرقية (..) فحضر وأخلع (الخليفة) عليه الوزارة]].
[[وكان النصارى قد أعمروا بالمطرية خرائب الكنيسة التي بها بئر البلسم الذي يستخرج منه دهن الميرون (..) فهدمها المسلمون وبنوا مكانها مسجدا]].
وبعد بضعة مجازر بين الحكام، اتُهٍم نصر بن عباس بعلاقة (..) مع الخليفة الشاب الظافر فاغتاله (في ١١٥٤) ونُصب مكانه ابنه الطفل خليفة باسم الفائز. [[واستقر طلايع بن رزيك في الوزارة ونعتوه بالصالح وكان محبا لجمع المال وأهلك نفوسا كثيرة (..) وكان يقرب (المنجمين) ويسمع أقوالهم، مبغضا للنصارى وبعض مذاهب المسلمين لأنه كان إماميا (شيعيا). وأمر ألا تكون لعمائم النصارى واليهود ذوائب (التي اقتصرت على الفاطميين) (..) وظهر في أيامه موت البقر (بطاعون الماشية، لأول مرة في مصر]].
[[ثم مات الإمام الفائز (في ١١٦٠م وعمره عشرون سنة) وجلس بعده عمه وانعتوه بالعاضد. (ثم قُتٍل رزيك) وتولى الوزارة ولدُه الذي نُعت بالأجلّ مجد الإسلام (..) وتجبر (واغتنى) ثم (ثار عليه) شاور والي قوص (واستعان بأجناد من المغرب وعربان)، فهرب مجد الإسلام (..) سبحان الله يؤتي الملك لمن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء (..) وتولى شاور الوزارة وأنعتوه بأمير الجيوش (..) ولما كانت ليلة الجمعة (الأخيرة) من شهر رمضان، نافق على شاور أميرٌ اسمه ضرغام ونعتُه سيف المجاهدين (..) وجمع عسكر وفتح (أحد) أبواب القاهرة و(هرب) شاور من باب الفتوح وسار في الظلام حتى وصل إلى بيوت عشيرته بني سعد. وملك ضرغام (..) وتوجه شاور إلى دمشق واجتمع بنور الدين محمود بن زنكي، وأقام عنده مدة فجهز معه عسكر (بقيادة) أسد الدين شيركوه (ليساعده في استرداد الحكم) وعاد لمصر ونزل ببلبيس، وخرج إليه ناصر المسلمين، أخو ضرغام، بعسكر كثير (..) فهزمهم شاور وشيركوه (..) وساروا للقاهرة وحاصروها (..) وقتل ضرغام أثناء هروبه (..)، وفتحت لهم أبواب القاهرة. وما أن استقر شاور حتى بلغه أن شيركوه يريد أن يغدر به فاحترز وأغلق أبواب القاهرة، فقاتله (شيركوه) وحاصره. وامتدت أيدي الغز (الأكراد) في سكان مصر (الفسطاط) من النصارى والسودان والأرمن والأتراك والمصريين، وكانوا يقتلوا منهم ويبيعونهم فإن وجدوا من يشتري شخصا (كان بها، وإلا) قتلوه، ونهبوا أموالهم وأخذوا نساءهم وكانوا ينادون علي النصراني “من يشتري كافر” (..) وكانوا يبيعونهم بثمن خسيس: بعشرين درهم النصراني وعشرة دراهم التركي وخمسة دراهم الأسود. واستشهد على يدهم راهب من دار أبو مقار مسكوه وعرضوا عليه الإسلام فامتنع فقتلوه (..) وهدموا كنائس كثيرة في ضواحي القاهرة ونهبوها]].
[[ولم يزل شيركوه يحاصر شاور في القاهرة، إلى أن أرسل شاور للملك مري ملك الإفرنج (*) بمال عظيم. (ولما علم) شيركوه بقرب وصوله، رحل والعربان (الذين معه) إلى الصعيد. ولما وصل الملك مري بعسكره إلى بلبيس، حمل إليه من الخليفة والوزير (شاور) من المال والهدايا شيء كثير. واستراح في بلبيس شهرا ثم نزل بعسكره حول القاهرة ثم (ساروا) وعسكر المسلمين في طلب شيركوه (..) فأدركوه (جنوب المنيا) فقتل وأسر (من الجانبين) خلق كثير. ثم ذهب شيركوه إلى اسكندرية وتحصن فيها وتبعه الملك مري وعسكر الفرنج وعسكر المصريين وحاصروه. فلما طال به الحصار خرج منه ليلا وعاد للقاهرة ليأخذها (..) وجرت خطوب تقرر آخرها أن (أعطوه) مالا فعاد لبلاده. (..) ورجع الملك مري (لمملكته) وكان قد عرف أنه أخطأ بالمجيء بعسكره في وسط بلاد الإسلام (..)]].
(*) أحد ملوك دويلات الإفرنج بالشام. لاحظ أن تحالف الحكام المسلمين مع الكفار ضد بعضهم البعض (والعكس، كما حدث أثناء الحروب “الصليبية”) كان أمرا عاديا في تلك الأيام…
[[وفي هذه الأيام تنصر رجل من اليهود بمصر من كبار قومه كان خبيرا عالما يسمى أبو الفخر ابن أزهر، وتكلم باللغة القبطية في أسرع وقت وكان يجادل اليهود بالعبرانية وتمهر (صار ماهرا) في مذهب النصرانية حتى صار أعلم من أهله ومات (بعد أربعين سنة) مؤمنا بالمسيح بعد أن قاسى من المسلمين واليهود شدائد]].
[[ووصل كتاب من ملك الحبشة إلى (الوزير) العادل بن السلار وللبطرك يلتمس تعيين مطران (بدلا من الذي عنده، الذي كان قد وبخه لأنه أخذ الملك بدون حق)، فامتنع البطرك (لتعارض ذلك مع قوانين الكنيسة) فضجر عليه الوزير العادل وأمر باعتقاله (..) فقاسى البطرك من ضيق هذا السجن ونتن رائحته واستمر اعتقاله إلى أن قُتل العادل]].
٢٤ـ وفي أيام الأنبا مرقس ابن زرعة ٧٣ (١١٦٦ـ١١٨٩) وكان [[من نسل شريف يسمي قبل بطريركته أبو الفرج ابن أبو أسعد (وأصله) سرياني من أهل الشام، و(قبل رسامته) كان كثير من الناس المسلمين والنصارى يشهدون له بالعفة والديانة (..) وفعل الخير (..)]]:
جرى [[من الأمور الصعبة والشدائد المرهقة والدماء المهرقة وزوال الدولة (الفاطمية) (..) إلى حين انقضائها على أيام العاضد (بعد) ٢٧٥ سنة منها ٢٠١ سنة بمصر (..)]].
وفي (١١٦٠م) هاجم مري ملك الإفرنج بلبيس وعاث فيها (*) (..) فكتب الخليفة العاضد لنور الدين محمود ابن زنكي ملك الغز (الأكراد) بدمشق يعرفه ما جرى على المسلمين بديار مصر ويطلب منه العون فقام بإرسال [[أسد الدين شيركوه ومعه عسكر كثير من الغز (وطارد الإفرنج) ثم نزل إلى اللوق وأحاط بالقاهرة وحمل إليه الخليفة ضيافة وخلع سيفه له ولمن وصل معه من الأمراء (وأعطاه) أموالا كثيرة وخيام ومعدات (..) وفي يوم الجمعة أول ربيع الأول سنة ٥٦٤ هلالية أرسل إليه الخليفة سيف الدم مع مؤتمن الخلافة جوهر الأستاذ وأمره أن يضرب به رقبة شاور وزيره فقتله ذبحا بسكين (..) ودخل القاهرة وأخلع عليه الخليفة خلع الوزارة (..) وكان له يوم مشهور لم يرى في الدنيا مثله. ولما كمل له شهر في الملك (الوزارة) نادى بالقاهرة أن يرفع النصارى عذب عمائمهم ويشدوا زنانيرهم و(يضع) اليهود خرقة صفراء في عمائمهم(**)]].
(*) هذا الهجوم غير المبرر أثار سلسلة من التداعيات التاريخية التي أدت (كما سنرى) إلى انهيار الدولة الفاطمية، ثم القضاء على معظم دويلات الفرنجة في الشام..
(**) يبدو أنها أحد تسليات الحكام هي التحكم في ملابس “أهل الذمة” … 
[[ (وبعد ستين يوما من استوزاره) مات شيركوه، ووزر الخليفة بعده يوسف، ابن نجم الدين أيوب (وابن أخي شيركوه الذي جاء معه كمساعد أو قائمقام) وأُنعت “بالملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين جامع الإيمان قامع عبدة الصلبان محيي دولة أمير المؤمنين” (..) ووقّع يوم جلوسه توقيعا باسم القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني وكان هذا عالما فاضلا (..) محبوبا من كل أحد (..) لكنه من طبع الآدمي ألا يكون كاملا لكون الكمال لله وحده لأنه لم يوجد فيه شيء يشوبه سوى أنه أشار ألا يستخدم النصارى نظارا على أموال الدولة ولا مشرفين (*) (..) فلم يعد أحد من النصارى يستخدم في نظر ولا مشارفة في أيام دولة صلاح الدين ولا من ملك بعده من ذريته]]
(*) لا نعلم إن كان كاتب السيرة يحب الدعابة السوداء أو أن هذا يمثل نموذجا لاقتناع الضحية برؤية جلادها…
[[وفي جمادى الآخر سنة ٥٥٦ (١١٧٠م) بلغ الناصر صلاح الدين أن جوهر، استاذ (= كاتم سر) العاضد قد خرج من القاهرة (في طريقه) إلى الفرنج يستنجد بهم ويحضرهم للقاهرة لمحاربة (صلاح الدين)، لأنه لما تمكن في المملكة خاف منه الخليفة والأستاذان (..). فندب الناصرُ الطواشيَ قراقوش ومعه مائة فارس فأدرك جوهر واستدعاه (فرفض) فحاصره قراقوش وقتله وأخذ رأسه وعاد للقاهرة. فلما سمع السودان اجتموا وزحفوا لقتال السلطان (الناصر)، فنصره الله عليهم وظفر بهم، (لكنه) لم يقتل أحدا منهم بل قال: لا لوم عليهم لأنهم قاتلوا عن سيدهم وخليفتهم (واستمالهم فعرض عليهم) أن يقيموا حيثما أرادوا فخرجوا من القاهرة إلى الأرياف والصعيد وتفرقوا في جميع ديار مصر]].
[[ثم أن ابن شمس الدولة، أخو صلاح الدين، دخل إلى القصر ليلا وطلب الخليفة فلما أعلموا الخليفة مصّ الخاتم المسموم |(..) ومات (..) وقد أخبر رجل من أهل القصر أنه كان قبل (موته) قد شرب الخمر مع صلاح الدين وشمس الدولة وسمع الغناء بحضرتهم عنده في مجلسه، فلما انقضى المجلس خلى بسريته (..) فطلبت أن يهبها ديبق ذهب مكلل بالجواهر كان في سرواله (ففعل) فأحضرته لصلاح الدين تفتخر به، فأخذه وأحضر القاضي والشهود والفقهاء (..) وطلب الفتوى: هل يجوز للخليفة أن يشرب الخمر ويفسق؟ فأفتى الفقهاء أنه إذا ثبت ذلك يخلع من الخلافة، فطلب من أخيه شمس الدولة الركوب إلى القصر والتلطف في قتل الخليفة (ففعل كما تقدم)]].
[[وكانت وفاة العاضد لدين الله وهو الخليفة الرابع عشر لبيت الفاطميين في ٥٦٧ هلالية (١١٧٢م). وتسلم الملك الناصر القصرَ وما فيه وأمر أن يُحمل من التركة والأثاث إلى داره ما يصلح له ولنسائه من الملابس والجواهر والمصاغ ونحو ذلك وأن يباع ما لا حاجة له به من الكتب والأواني وغيرها، وأقام أمينا على البيع القاضي ابن بنان. وأما النفوس، فإنه (حبس) محظيات الخليفة وأولاده في دار المظفر بحارة برجوان وأقام عليهم حراسة وأرسل لهم القوت (..) وأما الأهل والأقارب (..) فإنه جمع منهم مائتي رجل وأكثر ووضعهم في سجن المنافقين في الإيوان بالقصر وفي أرجلهم قيود حديد (..) ولما صار القاهريون والمصريون من شيعتهم يدخلون عليهم بالصدقات قطع عنهم القوت. ومات منهم كثير في قيوده ودفنوا بها، فسبحان الحي الذي لا يموت يضع من يشاء ويرفع من يشاء. أما جواري وعبيد الخدمة فباعهم مع بقية التركة]].
وهكذا، وبساطة شديدة، انتهت الدولة الفاطمية [[وصار الأمر للخطيب في يوم الجمعة بالدعاء (..) للإمام أبو محمد بنور الله (الخليفة العباسي في بغداد)]]…والخلاصة أن تعامل الفاطميين مع الأقباط كانت فيه تقلبات كبيرة، تراوحت بين الاضطهاد الوحشي والتسامح ـ الذي كان أحيانا (والحق يقال) أفضل كثيرا مما فعله من سبقهم أو لحقهم (بما في ذلك أن تصبح بعض الأعياد مثل أحد الزعف ورأس السنة القبطية (=المصرية) أعيادا “قومية”). لكن الأقباط، بصفة عامة، دخلوا المرحلة التالية من تاريخهم وقد تدهورت وتضاءلت مكانتهم في البلاد..